«الرجل الذي لم يفقد صوته»: محمد حسن ومحنة المثقف الليبي

Jan 26, 2018
أحمد نظيف

بشكل مكثف وشديد الدلالة، تروي قصة رحيل الفنان الكبير، محمد حسن، محنة المثقف والفنان الليبي، بعد فبراير 2011. هذا التاريخ الذي دشن حقبة من الانقسام الاجتماعي وتحلل الدولة الليبية المعاصرة، كانت الطبقة الفنية والثقافية أشد الفئات هشاشة وضعفاً خلالها. بنادق فبراير التي لم توفر أحداً، وحصدت ألاف الأرواح متحالفة مع طائرات الحلف الأطلسي، وضعت حداً للعشرات من أرواح الفنانين والمثقفين الليبيين، بتهم كثيرة، كانت من بينها مناصرة نظام العقيد الراحل معمر القذافي، بل إن العشرات من الضحايا كانوا من أنصار فبراير والثورة التي انتهت حرباً أهلية شرسة، لم تبق ولم تذر. لا أحد يدعي أو يزعم أن عهد الجماهيرية كان باذخاً بالحرية الثقافية والفنية، لكن عهد فبراير كان يبشر بالحرية، التي استدعيت من أجلها عشرات الجيوش من الشرق والغرب، لكنه كان أول ضحاياه، يوماً واحداً بعد رحيل القذافي.

أيام قليلة بعد سقوط العاصمة طرابلس في أيدي الثوار، هجمت مجموعة مسلحة على بيت محمد حسن وأخضعته للتحقيق. الرجل الذي لم يقتل أحداً ولم يحمل سلاحاً، فقط عوده وريشته، يخضع للتحقيق بتهمة الولاء للقذافي، وهي تهمة لم ينكرها حتى آخر يوم في حياته، ومن يحقق معه شباب تربوا على أنغامه في الإذاعة والتلفزيون ثاروا من أجل الحرية والديمقراطية، حسب زعمهم، الديمقراطية التي تفترض ضمان التعبير عن الرأي حتى وإن كان مخالفاً، والحرية التي توجب حرية الأفراد في التعبير عن ولائهم أو عدمه لمن أرادوا وكيفما أرادوا.

لم يكن محمد حسن حالةً فريدةً في التنكيل ونكران الجميل. الكثير من زملائه ورفاقه في الثقافة والفن عانوا مثله. الكثير من الأسماء المعروفة على الساحة الثقافية الليبية اختفت تماماً من المشهد، فقد فضلوا الهروب إلى المنافي المجاورة في تونس ومصر، وبعضهم الآخر ابتعد إلى أوروبا. لكن التهم لم تعد تقتصر على مولاة النظام السابق، بل تطورت لاحقاً، إلى الفسق والفجور ونشر الرذيلة، بعد التغيرات الاجتماعية والسلطوية التي طرأت على البلاد مع سيطرت الجماعات الإسلامية المتطرفة، بمختلف تشكيلاتها الإخوانية والسلفية والجهادية، خاصة في المنطقة الغربية والعاصمة تحديداً.

بل حتى الشرق لم يكن بعيداً عن مآل الغرب. فعلى الرغم من سيطرة الجيش، الذي يقاوم الجماعات الإرهابية، غير أن تحالف المشير حفتر مع مجموعات سلفية تقاتل إلى جانبه قلب حياة الفنانين والمثقفين والناشطين الشباب إلى جحيم مقيم. حيث تسيطر هذه المجموعات التي تدين بالولاء للشيخ السلفي ربيع المدخلي، فكراً ومنهجاً، على منابر المساجد ودائرة الأوقاف في الحكومة المؤقتة، التي يقودها عبد الله الثني. هذه السيطرة على الشأن العام الديني والاجتماعي أكسبتها قوة للتحريض ضد الفنانين والمثقفين، ونعتهم بالتكفير والتبديع والزندقة وبالتالي عزلهم عن محيطهم الاجتماعي المحافظ أصلاً. كما تمتلك هذه المجموعات قوة عسكرية، وقد عمدت في أكثر من مناسبة إلى إلقاء القبض على ناشطين في المجال الثقافي بتهم "أخلاقية" منطلقة من مفهومها الضيق والرجعي للفن والجمال، وحصره في "الفساد الأخلاقي".

وليس بعيداً، فقد قامت هذه المجموعات السلفية، في ديسمبر الماضي، باعتقال الفنان وسيم عادل، بعد موجة تحريض كبيرة قادها أحد أبرز قيادات التيار السلفي ويدعى عبد الفتاح بن غلبون أحد عناصر قوات الصاعقة التابعة للجيش، حيث وصف الفنان وسيم عادل أنه فلسطيني وخبيث يدعو لنشر الرذيلة بين فتيات بنغازي، وذلك على خلفية إقامة حفل فني لطالبات خريجات بمدينة بنغازي. وقبل ذلك، أقدمت كتيبة التوحيد السلفية على اعتقال عدد من منظمي حفل إحياء ساعة الأرض من بينهم المصور الصحفي عبد الله دومة في مدينة بنغازي، بتهمة واهية هي تنظيم حفل دون إذن من الجهات الأمنية والحاكم العسكري، وهو الحاكم نفسه الذي أصدر قراراً بمنع سفر النساء في المنطقة الشرقية للخارج إلا بوجود محرم، وذلك بدفع من نفس المجموعات السلفية، المعادية للثقافة والمرأة والحياة. ثم تراجع عنه بضغط من قوى الشعب الليبي الحية. الأمر الذي اعتبرته اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان استمرارا لحملات التحريض والفتاوى المتطرفة السابقة بحق شرائح المثقفين والكتاب والصحفيين والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان والناشطات النسائيات، ومحاولة لتكميم الأفواه والقمع فكري ومصادرة الفكر والرأي، وانتهاكًا لحرية الفكر والرأي.

في هذا المشهد السوريالي، الذي تحول فيه الجميع إلى ثوار، والبقية إلى أزلام، مكث محمد حسن في بيته، لا يقوى على الغناء ولا حتى على الكلام. وخلال هذه الفترة، بدأ المرض الخبيث ينهش جسده النحيل. بدت عليه علامة الهرم في صور قليلة نشرت له على الشبكات الاجتماعية. فقط ذلك الثغر الباسم لم يتغير ولم تفارقه الابتسامة. كان الرجل يراقب رفاقاً له وشعراء لحن قصائدهم وفنانين عاشرهم، يسقطون واحداً تلو الآخر، قتلاً وسجناً وتهجيراً. إن الحسرة التي استقرت داخل روحه منذ سقوط ليبيا في مستنقع الفوضى، تضخمت وكبرت وتمددت حتى غطت كل سنتيمتر من بقعة الأمل الصغيرة. كان كل يوم يمضي عليه بلا غناء ولا نشيد، ينقص من عمره وكان المرض مستغرق في نهش ما تبقى من الجسد. فقط كانت الروح تغني لحناً حزيناً. وإن فقدناه فإننا لن نفقد صوته يوماً.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف تري تقرير ديوان المحاسبة عن الفساد في المؤسسات الليبية ؟