محمد بعيو

أيـهـا الأرزقـيـون الـتـافـهـون رفـقـاً بـالـشـايـب

Apr 15, 2018

طال الزمن أم قصُر سيموت المشير خليفة حفتر، بل إن الزمن بالنسبة لرجلٍ طوى ثلاثة أرباع القرن لن يكون طويلاً، أو على الأقل لن يكون قابلاً للفاعلية، بما يكفي لقهر آخر إخواني خوارجي مختبيء في قرية حجرية غرب لـــيـبـيـــا، كما يزعم ويريد ويرغب بعض حلفائه المؤدلجين تأويلياً حد الجموح،،، ولا بما يكفي لجعل مساعده الاقتصادي اللواء الطيار الذي يطير راكباً الدرجة الأولى عبر عواصم الشمال، وليس قائداً لطائرة حربية تذوذ عن تخوم الوطن في الجنوب، يستكمل المائة مليون الأولى من ثروته، بعد أن يبيع لسماسرة الأناضول آخر مسمار في نعش دبابةٍ، دفع فيها الليبيون مليون دولار عدّاً ونقدا، ودفعوا معها أرواح شبابٍ كان يحق لهم أن يعيشوا حياةً يستحقونها وليس موتاً لا يستحقهم، ليعيش سمسار الخردة الخطير كما يريد هو لا كما يريد السيد المشير،،، ولا بما يكفي ليستمر نائب المطاحن في طحن السياسة حيث هو في كرسيين تفرق بينهما 1500 كيلو متر مضارب ومشارب، وتجمعهما في بطنٍ واحدةٍ المكاسب والمآرب،،،، ولا بما يكفي ليستمر الأولاد في تحويل الصدفة القدرية إلى صدمة سلطوية يختلط فيها حابل السراب بنابل الأذناب، وتنتهي كما انتهت صدفةٌ سبقتها ببضع سنين إلى مأساةٍ عائليةٍ صغرى وأزماتٍ وطنيةٍ كبرى،،، ولا بما يكفي لتحويل ضجيج التفويض إلى هدوء عقلاني يعقبه استقرار عملاني، لن يتحققا في وجود الرداحين الراقصين على خشبة مسرح النفاق، الذي لو كان يصنع واقعاً على الأرض لما مادت الأرض بمن ظن نفسه ذات زمن هو الزمن وهو الواقع ذاته، لمجرد أنه صنع الوقائع وحدد المصائر ونسي من بيده المصير.

أنا عرفت الرجل عن قُرب قبل أن يذهب إليكم هناك في برقة، فيخوض بكم وتخوضون معه ملحمةً وطنية كانت مفروضةً، قدر ما كانت الحالة الإرهابية الإسلاموية الثورجية مرفوضةً مرفوضة، بل أعرفه عن بُعد قراءةً ومتابعةً منذ وقعت عيناي عليه لأول مرة حين كنت طالباً في الفصل الأول بكلية الإقتصاد جامعة قاريونس ربيع العام 1981، حين كان آمراً للمنطقة العسكرية طبرق ومقره معسكر الجلاء، يوم قرر معمر في إحدى شطحاته الأمنية أن يوزع كليات جامعتي العريقة أو يشتتها على معسكرات المدن خارج الحرم الجامعي، لينتهي الحرم ويسقط التحريم والحرمات، يومها مر علينا للمرة الأولى والأخيرة بقيافته العسكرية الكاملة ومشيته الثابتة ونظرته المتعالية، ونحن في الجمع الصباحي العسكري الجامعي الذي هو استمرار لتدريبنا العسكري في مدارسنا الثانوية، نحن مواليد الستينيات ضحايا الثمانينيات، وربما الجيل الأتعس في لـــيـبـيـــا، حيث شبابنا رعبٌ وحروب رسمية وتدخلات من بلادنا خارجية، وكهولتنا اليوم ونحن على مشارف الستينيات من أعمارنا رعبٌ أشد وحروبٌ أهلية وتدخلاتٌ في بلادنا خارجية، يومها كان مشير اليوم عقيداً لم يمر وقت طويل حتى زج به العقيد الأكبر في حرب تشاد المريرة، محققاً انتصارات ميدانية كبيرة في ظروف خطيرة، لينتهي أسيراً في يد من يحاربهم بسبب خيانتين يتذكرهما بمرارة ورواهما لي شخصياً قبل خمس سنين،، خيانةٌ من القوات التشادية الصديقة التي ظنها تلتف معه على العدو فإذا بها تلتف عليه مع أبناء جلدتها، بعدما وصلت نقود الصفقة المالية من الشمال الليبي، وجرت الصفقة السياسية مع الشمال الباريسي، وخيانةٌ أدهى وأمر هي تخلي قيادته التي تعمدت كسره وقهره، ربما لأن واشياً قال لها إن عين الرجل على طرابلس وليس على انجامينا، وتلك قصة لابد أن تروى بتفاصيلها، وليت الرجل يرويها قبل أن يرحل، ولكن هيهات أن يجد إن امتد به العمر بضع سنواتٍ بعض لحظات من صفاء الذهن والتجلي لا يقطعه نقيق ضفادع بركة المصالح العطنة، ونعيق غربان خرابة الأحقاد العفنة.   

نعم عرفته، وعرفت مدى امتزاج بساطته التي تتمرد على مظهريات الانضباط العسكري لضابطٍ حقيقي محترف مع طموحاته القيادية التي تتجاوز ميادين الحروب إلى مداميك العروش، وعرفت مدى تأثره العاطفي والإنساني بالمحيطين به والمقربين منه، وتلك نقطة ضعفه القاتلة ربما ليس لشخصه فهؤلاء أحرص الناس على وجوده وبقائه، بل لذاته وحضوره وتأثيره ووجوده المعنوي، وعرفت أنه يعتبر نفسه الوريث الطبيعي والحقيقي ليس للقائد المقتول، بل للحلم الوطني الجميل الذي قتله صاحب البيان، يوم جنح إلى منابع النفاق وترك عهد الرفاق فانتهى صريعاً في حضورهم، وانتهوا صرعى غيابه، بعد أن تصارعوا طويلاً في حضوره ليس فقط على نيل رضاه بل على اجتناب غضبه وشكوكه وظنونه وهواجسه، وإرضاء أو مراوغة أهله وعشيرته ابتداءً من خليفة وحسن وانتهاءً بسيف وهانيبال.

عرفته وهو يتحرك في طرابلس بكامل حريته قبل فبراير 2014، وحوله الكثير من الضباط والمدنيين يخطط لتحركه الموعود، الذي خذله فيه الخونة المتحالفون واستغله ضده الإخوان والمخالفون، وتلك أيضاً قصة أخرى ربما أكتبها أنا لأنني أعرف الكثير من حقائقها، ليس لأنني شريك فيها، بل لأنني شاهد على مجريات الأحداث والتفاعلات في طرابلس منذ فبراير 2011 حتى اليوم، وكم في هذه الرواية من غرائب وعجائب ومفارقات صنعها القدر بأيدي الواهمين الذين ظنوا لحظة قتل الناتو صاحب الخيمة أنهم ورثوا الغنيمة واحتكروا القيمة، فإذا بهم اليوم هم ذاتهم الغنيمة، وهُم الأحقر شأناً والأقل قيمة.

أعرفه يوم قرر المشراق إلى برقة نهاية فبراير ذاك، بعدما أمضى أياماً يتجول في طرابلس رغم أوامر القبض الصادرة عن زيدان والموكولة إلى الثني، ولن نجد مفارقة أعجب اليوم والرجل في خريفه البطريركي من خضوع طالبيه له ولجوئهم إليه وتقربهم منه، وشوقهم إلى لقاء مع أحد مساعديه وليس معه، فهو لا يقيم لهم وزناً، ولا يرى لهم معنى ولا شأنا، ربما ليس غروراً وتعالياً بل ألماً دفيناً وغضباً متمكن.

عرفته يوم أعلن بيان الكرامة وخاض معركتها الأولى بمائتي ضابط وفرد يوم الجمعة 16 مايو 2014 في مواجهة كتائب الثوار المعججة الساذجة، والدروع المؤججة المؤدلجة، وقلت لمن حولي مادام دخل الحرب فسوف يحسمها وينتصر فيها مهما طال الزمن، ولم أغير رأيي هذا حتى في ساعات هزيمته شبه المحققة، فأنا أعرف قوة العسكرية النظامية المحترفة المنضبطة إذا حاربت الميليشيات الفوضوية المنفلتة، وأعرف قدراته التكتية والميدانية، وأعرف طبيعة الصراع وقد استقطب إليه القوى المجتمعية البرقاوية والبنغازية العريقة العميقة، التي عاملها سطحيو الإخوان والمؤتمر الغبي بتجاهل وجهالةٍ وتعالٍ واستكبار وغرور وفجور، بل وأجرموا في حقها بارتكابهم جرائم الاغتيال البشعة سراً وعلنا في الشوارع والسيارات والمساجد، وما فعله وسام بن احميد في الكويفية يوم السبت الأسود 8 يونيو 2013، وما أكمله الزهاوي وأنصار شريعته المزعومة، حين فجروا ودمروا مركز شرطة الحدائق وغيرها، وأعرف هشاشة القوى الداعمة في دهاليز ريكسوس المقاتلة وكواليس استخبارات الإنقاذ المتآمرة، وأعرف الكثير وليس كل ما يُعرف يقال أو ليس يقال الآن، وإن كان يجب أن يقال قبل فوات الأوان.

حقق الرجل انتصاره العسكري الباهض التكاليف، لكنه لم يطرح مشروعه بل انخرط في مشروع الخارج عن قصد يرتبط بطموحه الشخصي الأخير أن يحكم، وعن غير قصد يرتبط بالتخبط السياسي والإداري في ظل فوضى المسارات والتباس الخيارات، وكان عليه وقد انتهت حرب السلاح والدمار أن يبدأ كفاح البناء والإعمار في اليوم التالي مباشرة، لكن هذا لم يحدث ولا يبدو أنه سيحدث، فقد تغلبت الانشغالات الأمنية على مشاغل الأماني، ونجح حلفاؤه المؤدلجون ورموزهم الورفلي وبن غلبون، في تقريب منيّته المعنوية والسياسية يوم استبقوا عدالة القضاء باستباق المنايا على رؤوس الأشهاد في مشاهد ما كان بحاجةٍ إليها لولا بجاحة الحلفاء وتبجح الدهماء، وفي تحويل بنغازي من مدينة تتربص بضجيج الحياة إلى تجمعٍ بشري حزين يتربص بها الموت صمتاً قبل الصمت موتاً.

لا أدري إن كان ثمة فرصةً أخيرة للسيد المشير أن يقرأ هذا وغيره، وأن يدخل ولو قليلاً منفرداً بذاته لا متفرداً بقيادته في خلوة نقد حقيقي للذات، وتقييم للتجربة واستشراف للحقائق، لعله ينتفض على الأفاعي التي في أُفقه مستكينة قبل نفضة الروح في نفق السكينة، ويقول لمن حوله كـفـى، فأنا لست كاهناً تبيعون بإسمه التعاويذ للساذجين والمسحورين، بل أنا ليبي عنيد يقول مرحى لتحديات الوجود، ولا يسكن ولا يستكين حتى يرى وطنه بالعين في وضح النهار أو بالروح من وراء برزخ الانتظار، بلاداً حقيقية لشعبٍ لم يكن يوماً من وهْم ولا من غثاءٍ ولا من سراب.

أُعذروني أحبتي فثرثرتي هذه ليست هذيان محموم، بل فضضة متألمٍ مهموم، وربما أضغاث أحلامٍ تحت ضياء الصوت لا في حوالك الصمت.

كاتب و صحفي ليبي 

الاراء المنشورة ملزمة للكاتب و لا تعبر عن سياسة البوابة 


رابط مختصر

عبر عن رأيك

من يتحمل مسؤولية زيادة أسعار السلع الأساسية في ليبيا ؟