إسدال الستار علي أبشع جرائم "داعش" في ليبيا

May 14, 2018
عبد الباسط غبارة - بوابة إفريقيا الإخبارية

في ظل الفوضى التي عصفت بها منذ العام 2011،تحولت ليبيا إلى منطقة جذب للعناصر الإرهابية من كل حدب وصوب،وكان على رأسها التنظيم الارهابي "داعش"،الذي تسارعت خطوات تمترسه في ليبيا،مع أدراكه ان الفوضى توفر له فرصة تعزيز قدراته، والمحافظة على وجود مهم له في هذا البلد.

وتمكن التنظيم الإرهابي من السيطرة على عدة مناطق في البلاد،وكانت مدينة سرت الساحلية أهم معاقله في البلاد والتي كان ينوي التمدد منها إلى مناطق أخرى. وتحت غطاء مزور ومشوه للإسلام،أمعن التنظيم في ارتكاب جرائمه الوحشية، لبث الرعب والذعر في نفوس الناس، ولتاكيد قوته وسلطته وجبروته،وكانت جريمة ذبح الأقباط المصريين الأكثر تعبيرا عن دموية التنظيم الرهيبة.

وبدأت قصة المذبحة،في الثلاثين من ديسمبر 2014،عندما خُطف 7 من العمال المصريين الأقباط في مدينة سرت شرق ليبيا، حيث قطع طريق عودتهم لمصر، ثم خُطف 14 آخرون في 3 يناير 2015 من مساكنهم في سرت أيضاً.وعقب ذلك، أعلنت وزارة الخارجية المصرية،في 5 يناير 2015،عن قيام الرئيس عبد الفتاح السيسي بإنشاء خلية أزمة لمتابعة قضية المخطوفين، وأنها في حالة انعقاد دائم وتضم ممثلين عن كافة الوزارات والأجهزة الأمنية المعنية.

وأجرت الخلية محادثات مع شيوخ القبائل الليبية، والسلطات الليبية الرسمية، ووزراء خارجية أوروبيين، ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري.وبعد مرور أسابيع على الاختطاف، نظم العشرات من أهالي المختطفين وقفة احتجاجية أمام وزارة الخارجية مطالبين بسرعة التحرك للإفراج عن ذويهم في 19 يناير، وأرسلوا رسائل تفيد عدم الرضا عن جهود الدولة لاستعادة أبنائهم.

وفي 15 فبراير 2015،بث تنظيم داعش فيديو تحت عنوان "رسالة موقعة بالدماء إلى أمة الصليب"،يظهرعملية ذبح 21 مصري على إحدى السواحل يشار إليها إلى أنها في ليبيا.وأظهرت الصور معاملة مشينة من عناصر داعش للأسرى، حيث ساقوهم واحداً واحداً إلي أن تم ذبحهم وأظهرت إحدى الصور تلطخ مياه البحر بلون الدم.

وأحدث الفيديو صدمة كبيرة واسعة،وفي أقل من 24 ساعة،سارعت المقاتلات المصرية،بتشن غاراتها المركزة ضد معسكرات ومناطق تمركز ومخازن أسلحة وذخائر تابعة لتنظيم داعش في ليبيا ردا على المذبحة،فيما تسارعت ردود الفعل الدولة المنددة بالجريمة البشعة التي ألقت الضوء حينها بشكل كبير على وحشية التنظيم الإرهابي ومدى خطورته على ليبيا والمنطقة ككل.

وفي مايو/أيار 2016، شنت قوات "البنيان المرصوص" التابعة لحكومة الوفاق هجوما على سرت بهدف استعادة المدينة مستعينة بالطيران الحربي الأمريكي الذي شن غاراته على مواقع التنظيم الإرهابي في محاولة لاضعافه وتمكين قوات الوفاق من التقدم.وبعد ثمانية أشهر من المواجهات الضارية،أعلنت قوات الوفاق،في ديسمبر/كانون الأول 2016، تحرير سرت نهائيا وسقوط أكبر معاقل داعش.

وساهم سقوط داعش في سرت في نفض الغبار عن مذبحة الأقباط وكشف تفاصيلها،ففي نهاية شهر سبتمبر 2017، أعلن رئيس التحقيقات بمكتب النائب العام الليبي المكلف الصديق الصور القبض على منفذ ومصور واقعة ذبح الأقباط المصريين في سرت.وقال الصور، خلال مؤتمر صحفي لإعلان نتائج التحقيقات مع عناصر تنظيم "داعش" الذين جرى القبض عليهم في سرت، إنه "تم تحديد أماكن دفنهم وسنبحث عنهم".

ولم تمر أيام حتي أعلن حتي أعلن المكتب الإعلامي لغرفة عمليات "البنيان المرصوص"، التابع لحكومة الوفاق الوطني الليبية، إن الأجهزة المختصة انتشلت جثامين الأقباط الـ21. وأضاف المكتب، في بيان على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"،في 06 اكتوبر 2017، إن الجثامين وجدت مكبلة الأيادي ومقطوعة الرأس وبالزي البرتقالي كما ظهرت في شريط الفيديو لعملية ذبحهم.

وقبل ذلك بثت السلطات الليبية اعترافات لـ"قاضي الأحوال المدنية في داعش"، ويدعي فوزي بشير العياط الحسناوي، بعد إلقاء القبض عليه، إثر إصابته في عملية تحرير سرت.وقال الحسناوي، إن "المقنع، الذي ظهر في الإصدار المرئي لإعدام الأقباط وهو يقرأ رسالة باللغة الانجليزية هو أبو عامر الجزراوي، وهو سعودي الجنسية قتل في سرت".

ومنذ العثور على رفات الأقباط،تسارعت الأنباء حول التنسيق بين السلطات الليبية ونظيرتها المصرية لتسلمهم لذويهم.حيث أعلنت الخارجية المصرية أنه يتم التنسيق مع السلطات الليبية، لاستعادة جثامين الأقباط.وصرح السفير خالد يسري رزق، مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية والمصريين في الخارج،في بيان، بأن السلطات المصرية شرعت في اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة الجثامين فور إعلان السلطات الليبية القبض على عناصر تنظيم "داعش" المتورطين في الحادث.وأكد على تواصل الوزارة مع الكنيسة المصرية لترتيب إجراءات استقبال ودفن الضحايا، فضلا عن التواصل مع أهالي الضحايا لإطلاعهم على كافة الترتيبات.

وفي مارس الماضي،وافق النائب العام الليبي على طلب النائب العام المصرى باستعادة رفات الضحايا.وقال رئيس مكتب التحقيقات في مكتب النائب العام الليبي "الصديق الصور"، إن السلطات الليبية تسلمت طلبا من النائب العام المصري عبر الخارجية الليبية للمساعدة القضائية، موضحا أنه تم عرض رفات الأقباط على الطب الشرعي، وتم أخذ عينات الحامض النووي..

وأوضح الصور،في مؤتمر صحفى،أن لجنة من النائب العام الليبي والخارجية الليبية التقت النائب العام المصري، وسلمت العينات التي تم سحبها من رفات المسيحيين، لمطابقتها مع عينات أسر الضحايا في مصر، مؤكدا أن السلطات الليبية ستسلم مصر جثامين المسيحيين، وأن هناك تعاونا جادا في هذا الشأن.

وفي تطور جديد،أكدت وسائل إعلامية وصول رفات ضحايا "أقباط ليبيا"، لقرية البضائع بمطار القاهرة الدولي،الإثنين 14 مايو 2018،ونقلت رفات داخل 22 سيارة إسعاف، بعد وصولها في طائرة خاصة، قادمة من مطار مصراته الليبي، تمهيدًا لنقلهم إلى محافظة المنيا، ودفنهم بمقابر أسرهم هناك.وكان مطار القاهرة الدولي،قد شهد قبل ذلك استعدادات أمنية مكثفة،استعدادا لاستقبال رفات الضحايا.

وكانت ادارة التحري والتحقيقات الجنائية فرع الوسطى في مدينة مصراتة الليبية قالت في بيان لها عصر اليوم الاثنين ان قرار تسليم الرفات جاء "بعد رحلة عناء طويلة من العمل الجاد والمضني من تحري وتحقيق وجمع معلومات في الحادثة المشهورة بذبح الأقباط المصريين في مدينة سرت سنة 2015 ابان فترة السيطرة عليها من ما يعرف بتنظيم الدولة الارهابي "داعش" وبعد التعرف على مكان دفنهم واستخراج رفاتهم".وتابعت "تم استكمال اجراءات الفحص الجنائي والطب الشرعي للتعرف على رفات الشهداء واثبات هوياتهم وصلاتهم بذويهم وذلك بالتنسيق مع مكتب النائب العام والجهات ذات الاختصاص".

وبوصولهم إلى وطنهم يسدل الستار على قضية الأقباط المصريين الذين راحوا ضحية وحشية  تنظيم "داعش" الارهابي،في واحدة من أبشع الجرائم التي من الممكن أن تحدث.ويبقى ما شهدته شواطئ سرت الليبية منذ ثلاث سنوات مضت،صورة مؤلمة تنذر بالخطر الذي مازال يمثله التنظيم الارهابي في ليبيا اقليميا ودوليا،رغم خسائره الكبيرة وإنهيار معاقله في البلاد،وذلك في ظل إستمرار مسلسل الصراع المحموم بين الفرقاء الليبيين وعجزهم عن التوصل إلى تسوية حقيقية.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف تري تقرير ديوان المحاسبة عن الفساد في المؤسسات الليبية ؟