إيطاليا في ليبيا.. مطامع عسكرية تستعيد حقبة الماضي

Jul 05, 2018
شريف الزيتوني - بوابة إفريقيا الإخبارية

منتصف العام 2017، أقر البرلمان الإيطالي خطّة للتدخل العسكري في المياه الإقليمية الليبية بحجة كبح جماع المهاجرين عبر المتوسّط، وكان ذلك أول تصريح علني إيطالي عن القوة العسكرية رغم أن النوايا كانت سابقة لذلك، منذ أيام إسقاط نظام العقيد معمّر القذافي وخوف روما على خسارة مصالحها الاقتصادية التي دخلت قوى جديدة من أجل منافستها عليها وأساسا فرنسا صاحبة الباع في التجييش على نظام القذافي وصاحبة المبادرة في شنّ أولى الغارات التي أدت إلى إسقاطه، حيث كانت تصريحات وزير الشؤون الخارجية الإيطالي الأسبق فرانكو فراتيني تُلمح إلى أن إيطاليا مستعدّة لكل السيناريوهات من أجل حماية مصالحها.

إلى حدود العام 2011، كانت إيطاليا هي الشريك الاقتصادي الأول لليبيا باستثمارات كبيرة تتجاوز 25 مليار دولار في مجال النفط فقط، عبر شركة إيني، بالإضافة إلى استثمارها في مجالات خدمية أخرى، وُعِدت بها روما بعد لقاء بنغازي التاريخي بين القذافي وبرلسكوني في 2008، وكان فاتحة لعلاقة مربحة بين البلدين عكّرت صفوها تحولات "الربيع العربي" التي لم تكن في صالح إيطاليا وعلى ذلك الأساس كان موقفها من الأحداث في ليبيا وقتها غير واضح واعتبر أنه وقوف إلى جانب القذافي ضد خصومه. وعلى ضوء تلك التطوّرات كانت إيطاليا تتحرك تحت ضغط المنافسين الخارجيين والوقت، وكانت تصريحات مسؤوليها متوترة تقترب في بعض الأحيان من التهديد.

أرقام المبادلات والاستثمارات من المؤكّد أن روما تسعى إلى المحافظة عليها في ظل وجود منافسين أقوياء معها، وخاصة جارتها فرنسا التي تحاول وضع كل نفوذها خاصة أنها تعتبر نفسها صاحبة الفضل في إسقاط النظام في 2011، وقد نالت على ذلك عقودا موقعة من المجلس الانتقالي الذي لم يكن في تلك الفترة قادرا على رفض أي طلب لباريس التي كانت أعلامها ترفرف فوق الأرض الليبية في مشهد لا يريد الليبيون استذكاره.

خلال السنوات الأربع الأولى التي أعقمت الأحداث في ليبيا، حافظت إيطاليا على هدوء في مواقفها رغم قلقها الدائم من تطورات الأحداث التي تعرف جيدا أنها ليست في صالحها باعتبارها تخسر شيئا فشيئا نفوذها في بلد كانت تعتقد إلى وقت قريب أنه مضمون لها بفضل ربط علاقة قوية وبراغماتية مع العقيد معمّر القذافي. لكن منذ العام 2015، بدأ الطليان يتحدّثون عن خيارات مختلفة في ليبيا تحت ذرائع شتى تتعلق بالإرهاب والهجرة اللذين يعتبران باب أغلب القوى العالمية خلال نوايا التدخل العسكري. والخيارات المفتوحة طبعا تشمل القوة العسكرية التي لم تُعرف كيفيتها لكن نيتها وجدت في كل الأحوال.

أولى تصريحات التدخل العسكري الإيطالي في ليبيا نشرتها وكالة سبوتنيك الروسية في موقعها الفرنسي، عن القيادة العليا للعمليات الخاصة التي أشارت في نوفمبر 2015 إلى أن مقترحا تقدّم للبرلمان يمنح لرئيس الوزراء صلاحية إرسال وحدات خاصة إلى طرابلس في الحالات الضرورية، وكانت التصريحات تصب في أنها أمنية أكثر منها أي شيء آخر. لم يحدد البرلمان الإيطالي الحالات الضرورية بالضبط، لكن المؤكّد أن روما أصبحت تفكّر بمنطق الخائف على مصالح بنى أسسها ولا يردها أن تسقط وسط وجود منافس أوروبي بدأت الخلافات معه تتوسع كلما كان الحديث على ليبيا.

في سبتمبر 2016، أعلنت مصادر إعلامية إيطالية إن قوات خاصة توجهت إلى مصراتة من أجل القيام بمهام إنسانية تتمثل أساسا في حماية المستشفى الميداني في المدينة وقد تمركزت في المطار ومقسمة على ثلاث دفعات كل واحدة مخصصة لفترة زمنية. وأضافت مصادر أخرى أواخر 2017 التحاق قوات أخرى ما خلّف ردود فعل من طرف البرلمان في طبرق الذي اعتبر الأمر انتهاك للسيادة الليبية وطالب نظيره الإيطالي بتقديم توضيح حول الأمر.

من جانب آخر ذكرت مصادر متطابقة في طرابلس وجود تدخل عسكري إيطالي في ليبيا منتصف 2017، عندما دخلت سفن عسكرية إيطالية إلى المياه الإقليمية في عملية اعتبرتها الحكومة المؤقتة وقتها استفزازا لليبيين ومعبّرة عن قلقها باعتبار الخطوة تهدد مسار العلاقات بين البلدين، في ظل استذكار الشعب الليبي لحقبة سيئة من تاريخه كانت إيطاليا جزءا رئيسيا فيها.

ورغم أن إيطاليا دائما تؤكّد أن الأمر يتعلق بمحاربة الهجرة غير الشرعية أو المهام الإنسانية، غير أن بعض التحليلات تذهب في سياق أن روما تريد تسجيل علامة للداخل الليبي والخارج أنها لا تزال موجودة وأنها في سبيل الدفاع عن مصالحها مستعدة لكل السيناريوهات رغم أن ذلك لا يزعج فرنسا كثيرا التي لا تعير اهتماما كبيرا لأي حركة عسكرية إيطاليا.

بعدها تتالت التصريحات حول إمكانيات التدخل العسكري الإيطالي سواء بشكل رسمي أو حتى من طرف بعض الشخصيات الّإيطالية ذات النفوذ، حيث نشر السياسي الإيطالي سيموني دي ستيفانتو تغريدة في يناير 2018 يطالب فيها السياسيين الليبيين بضرورة السيطرة على إقليمي برقة وفزان لإدراكه لقيمتهما الاقتصادية والاستراتيجية، بل إنه طالب من حكومة بلاده التصويت للخروج من الاتحاد نحو ليبيا لأن لإيطاليا منافع كبيرة تفوق ما هو موجود في أوروبا.

الاستفزازات الإيطالية تواصلت من خلال تصريحات لوزيرة الدفاع إليزابيتا ترينتا، في بداية يوليو، على هامش الاجتماع الوزاري بمقر الناتو في بروكسل من التوسع في ليبيا قائلة: "لنكن واضحين.. القيادة في ليبيا لنا"، مضيفة أن روما لن توافق مستقبلا على أي دور بريطاني أو فرنسي مثلما حصل في 2011، بل سيكون أي تدخل مفترض لها. ويأتي كلام الوزيرة الإيطالية التي باشرت مهامها في بداية يونيو عن حزب خمس نجوم الوسطي، بعد مقترح تقدمت به الوزيرة السابقة روبرتا بينوتي إلى البرلمان من أجل إرسال بعثة عسكرية من 400 ضابط إلى ليبيا من أجل ما سمته دعما للسلطات لمواجهة التحدّيات الأمنية. وهذه كلها تصريحات تصب في خانة التدخل العسكري الذي تفكّر فيه إيطاليا في مصالحها سواء الاقتصادية أو في ما يخص الهجرة غير الشرعية باعتبارها البوابة الأولى للمهاجرين عبر المتوسط.

يذكر أن الوزيرة نفسها كانت أعلنت في شهر يناير على خلفية مواجهات بين مليشيات في طرابلس، أن كل الأفراد الإيطاليين موجودين في مكان آمن، دون معرفة هل المقصود بأولئك الأفراد مدنيين أو عسكريين.

الوضع الذي تعيشه ليبيا منذ العام 2011، جعلها ساحة مستباحة للقوى الخارجية التي استغلت الفوضى والانقسامات من أجل التدخّل وإيطاليا الشريك الاقتصادي الأول لن تكون الاستثناء بالنظر إلى مصالحها الاقتصادية التي أصبحت تتنافس فيها مع قوى جديدة بدورها تكرر نواياها للتدخل العسكري.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

من يتحمل مسؤولية زيادة أسعار السلع الأساسية في ليبيا ؟