الإسلام السياسي والعبث بالمنظومة التشريعية في ليبيا

Jun 09, 2018
رامي التلغ – بوابة افريقيا الإخبارية

منذ بداية أحداث فبراير 2011 بليبيا، تصدّر الحديث عن دور الشريعة الإسلامية الخطاب السياسي والثوري، وقامت غالبية الأطراف بمغازلة المزاج الديني المحافظ والمتشدد الذي شهد رواجا بعد التغيير في ليبيا ، ففي 23 أكتوبر 2011 وخلال الاحتفال بتحرير ليبيا، استهل المستشار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي السابق كلمته بالسجود على أرض ميدان الاحتفال، قبل أن يؤكد للشعب الليبي أن "أي قانون مخالف للشريعة الإسلامية هو موقوف فورا»،  وتماشيا مع هذا الاتجاه، نصت المادة الأولى من الإعلان الدستوري الصادر في 2011 على أن الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع وفي ديسمبر 2013 وقبل فترة وجيزة من انتخاب الهيئة التأسيسية حاول البرلمان الليبي استباق تشكيل الهيئة التأسيسية بإعلانه أن «الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع في ليبيا".

واستهلك الوصول إلى توافق حول موقع الشريعة الإسلامية في الدستور نحو 3 سنوات من عمر الهيئة التأسيسية لحسمه، وكانت الصيغة الأولى الصادرة عام 2015 موغلة في التشدد، وتؤسس لدولة دينية، حيث نصت على أن «الإسلام دين الدولة، وأحكام الشريعة الإسلامية مصدر كل تشريع، ولا يجوز إصدار أي تشريع يخالفها، وكل ما يصدر بالمخالفة يعد باطلا»، كما ألزمت المادة الدولة بسن التشريعات اللازمة لمنع نشر وإشاعة العقائد المخالفة للشريعة الإسلامية والممارسات المنافية لها، فضلا عن النص على تحصين هذه المادة من التعديل.

وانتهى النقاش حول هذه المادة في عام 2017 إلى الصيغة التالية في المادة 6: "الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية مصدر التشريع"، وفي المادة 195 -التي تنظم إجراءات تعديل الدستور-، تم تحصين المادة الخاصة بمرجعية الشريعة الإسلامية من التعديل مستقبلا.

وأبرز الكاتب راغب سعد أن تخفيف الاتجاه الديني في هذه الصياغة الجديدة لا يعني أن حقوق الإنسان والحريات باتت في مأمن من إمكانية العصف بها، فوضع الشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريع دون وجود تعريف واضح لها وضوابط لإلزام المشرع بها، وعدم إضافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان إلى مصادر التشريع، سيجعل مصير الحقوق والحريات رهنا بتفسير الأغلبية المهيمنة على مجلس النواب وفهمها للشريعة، وهي بطبيعتها خاضعة لقراءات متعددة طبقا لاختلاف المذاهب الفقهية.

ولم يقلل من خطر هذه الصياغة الفضفاضة وضع مشروع الدستور للمعاهدات والاتفاقات الدولية – من بينها تلك المرتبطة بحقوق الانسان– في مرتبة فوق القانون، لأنه أبقى هذه المعاهدات والاتفاقيات في مرتبة أدنى من الدستور، ما يعني واقعيا إمكانية تعطيل أي آليات حقوقية لحماية الحقوق والحريات، طالما رآها المشرع مخالفة لأحكام الدستور.

لم يهتم مشروع الدستور أيضا بوضع ضمانات لتحقيق المساواة بين المواطنين، فعلى الرغم من حظر كافة أشكال التمييز بين المواطنين والمواطنات أمام القانون، يتضمن المقترح مواد تميز بين الليبيين سواء على أساس الجنس أو الدين، إذ تشترط المادة 69 على المرشح لعضوية مجلس النواب أن يكون «ليبيا مسلما»، كما تنص المادة 99 الخاصة بشروط الترشح لرئاسة الجمهورية على أن يكون المرشح ليس فقط ليبيا مسلما، وإنما يجب أن يكون «لوالدين مسلمين»، ومن غير الواضح في شروط الترشح لرئاسة الجهورية إن كان سيسمح للمرأة بالترشح للمنصب أم لا.

وأبرز الكاتب أن مقترح مشروع الدستور الصادر في أبريل 2016 قد ألزم الدولة بسن القوانين التي تكفل حماية المرأة، ورفع مكانتها في المجتمع، وحظر التمييز ضدها، والقضاء على الثقافة السلبية والعادات الاجتماعية التي تنتقص من كرامتها، والاعتراف بحق المرأة في منح الجنسية الليبية لأبنائها، ولكنه ترك للقانون كيفية تنظيم هذا الحق، ما يهدد هذه المكاسب، وقامت الهيئة بحذف الإشارة في مشروع الدستور لحق المرأة في منح الجنسية لأبنائها.

ويعزى هذا التراجع عن دعم حقوق المرأة في جانب منه إلى ضعف تمثيلها في الهيئة التأسيسية حيث تتكون الهيئة من ستين عضوا يمثلون الأقاليم الرئيسية في ليبيا برقة و طرابلس وفزان بنسبة 20 عضو لكل إقليم ولكن القانون خصص نسبة 10 بالمائة فقط للنساء، بالإضافة لمقعدين لكل من الطوارق والتبو والأمازيغ، وقد تعرض هذا التقسيم لانتقادات واسعة من المدافعين عن حقوق المرأة، كما قاطع الأمازيغ الانتخابات، وظل المقعدان المخصصان لهم شاغرين.

في خصوص التشريعات الخاصة بحقوق المرأة وتماشيا مع التغيير السياسي الذي حصل في ليبيا سنة 2011 تقول الشاعرة والناشطة النسائية صاحبة مبادرة النساء قادمات عائشة المغربي أنّه لا وجود لتغيير حقيقي وفعلي في القضيّة النسوية.

"لا شيء تغير بعد إلغاء الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا المادة رقم 12 لقانون 10 التي تنص على لزوم موافقة الزوجة الأولى للزواج بأخرى وبعد إذن من المحكمة".

وتوافق عائشة المغربي مع عدد كبير من المثقفات والناشطات الليبيات، في استطلاع سريع لرأيهن إذ يستندن في ذلك إلى كون المادة القانونية أصلا كانت صورية وفيها ثغرات للتحايل وإرغام النساء على الموافقة وتزوير توقيعهن وشراء الذمم بالمال.

ومع ذلك تضيف عائشة المغربي كانت خطوة في الاتجاه الصحيح.

تعتبر المغربي هذا التطور تأكيد لاختراق الثورات العربية من التوجه الإسلاموي السياسي ولا أحد في ليبيا ينسى كلمة المستشار مصطفى عبد الجليل في خطاب إعلان التحرير حين أشار بصريح العبارة إلى تعدد الزوجات كأمر بديهي. "وقعت النساء منذ ذلك اليوم كسبايا حرب. وبخطاب التحرير الذي انتظرناه بشغف، تبخر اعتقادنا في أن ثورتنا الليبية تجاوزت حتى الثورة الفرنسية.

وتشبه المغربي الأمر بظاهرة الزواج العرفي المتفشية في مصر أو زواج المتعة المتفشي لدى الشيعة.

المحامية الليبية بهيجة محمود العايب، تحاول الحصول على نسخة من قرار الدائرة الدستورية لتبني عليها موقفها، أقرت أن" الذي تغير هو أن الزوج الآن إذا أراد أن يتزوج امرأة أخرى فهو غير مقيد بحكم محكمة لتسمح له وإنما يتزوج مباشرة ولا يحتاج إذنا من أحد والدائرة الدستورية هي أعلى هيئة قضائية ولا نقاش أو طعن فيما يصدر عنها".

في نفس فإن صورة المرأة التي تتقدم الصفوف لم يعد لها أي أثر في المشهد الليبي الحالي، تقول ناشطات ليبيات ومنظمات حقوقية دولية.

فبعد وصول الإسلاميين لسدة الحكم في ليبيا، وجدت المرأة الليبية نفسها مبعدة تماما عن المشهد السياسي وحتى الاجتماعي والثقافي في ظل وضع أمني متأزم وفوضى الميليشيات المسلحة.

الناشطة الليبية والمحامية نيفين الباح تتهم الإسلاميين بالسطو على الحريات والحقوق التي كانت تتمتع بها المرأة الليبية قبل سقوط القذافي، وتقول إنها أجبرت على اللجوء إلى مصر بعد أن هددتها جماعات إسلامية متشددة بالتصفية الجسدية بسبب مواقفها الداعمة لحقوق المرأة وانتقادها سياسة الإسلاميين.

تقول " إن الوضع الحالي للمرأة الليبية صار أسوأ حتى من فترة حكم القذافي، فهي كانت ورقة رابحة في يد الإسلاميين قبل انتخابات المؤتمر الليبي العام الذي رفع أعضاؤه حينها شعارات رنانة تثني على المشاركة الفاعلة للمرأة الليبية وتعدها بحريات وضمانات دستورية أكثر وتمثيل برلماني أكبر، لكنها لم تجن سوى الوعود".

ومع تدهور الأوضاع في ليبيا لجأت العديد من الناشطات الليبيات اللاتي أيدن ثورة السابع عشر من فبراير لطلب اللجوء السياسي لدول أجنبية. وكانت من بينهن الناشطة مجدولين عبيدة التي قالت في تصريحات لهيئة الاذاعة البريطانية بى بى سى امر سيئ للغاية ان تخاطر بنفسك وان تبذل قصارى جهدك من اجل هذه الثورة، ثم في النهاية تضطر الى مغادرة البلاد لأنها لم تعد مكانا آمنا لك.

 وبالنظر إلى قصة الناشطة عبيدة وما فعلته تعلم تمام العلم أنه رغم ما فعلته المرأة الليبية من أجل وطنها إلا أنها كانت أول ضحايا أعمال العنف فى البلاد حاليا.

 فعندما بدأت الثورة ذهبت عبيدة إلى القاهرة ومنها إلى باريس لجمع المساعدات والأغذية والأدوية لثوار ليبيا و شن حملة ضد نظام العقيد القذافي الذى لم يكن يتوانى عن قصف المدنيين في بلاده من أجل تثبيط الثورة.

 وبعد سقوط طرابلس في أيدي المعارضة عادت عبيدة الى ليبيا للعمل من اجل حقوق المرأة، لاسيما للمطالبة بوضع حق المساواة في الدستور الجديد. ومثلها كمثل النشطاء الاخرين ساورها القلق ازاء ما شهدته من تنامى نفوذ الاصوليين الاسلاميين. وأيقنت أن مساعيها لمناصرة حقوق المرأة بعد الثورة ستمنى بالفشل بعدما طالب مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي آنذاك بالسماح بتعدد الزوجات. وقالت "كانت صدمة لنا جميعا، ليس هذا ما سعينا اليه ففي الثورة، لم نسع لزواج الرجل من أربع نساء.

 وبالفعل أنشأت عبيدة جمعية حقوقية معنية بالمرأة اسمها جمعية «حقي»، وكانت تقوم من خلالها بعمل حملات توعية للمرأة بحقوقها وتوعية المجتمع الليبي كله بأهمية احترام المرأة وتقدير دورها في المجتمع إلاّ أنها فوجئت باتهامات رسمية موجهة إليها بــ «المناداة بحرية المرأة» ونشر الفساد و الانحلال الأخلاقي وسب مفتى الديار الليبية و من مفارقات القدر أن الفتاة ذاتها التي قامت بكل ذلك من أجل وطنها عندما عادت إلى بنغازي في صيف 2012 اختطفت مرتين على أيدى المليشيات الاسلامية المسلحة.

 وتصف مجدولين لحظات اعتقالها قائلة إنهم كانوا يركلونها بأقدامهم بعدما اقتادوها إلى مكان غير معلوم وأمطروها بوابل من السباب والاتهامات بالعمالة والخيانة وأنها تلعب دورا مشبوها تحيك من خلاله المؤامرات ضد الثوار كما كانوا ينعتونها بأقذع الألفاظ وقالوا لها «سنقتلك أيتها الجاسوسة الاسرائيلية» ويبقى أنه رغم كل ما تشهده ليبيا حاليا من ترد على مختلف المستويات، إلا أن الحل سيأتي أيضا على أيدي المرأة التي كانت أكثر من ظٌلم في هذه الفترة. حيث تشير الاحصائيات إلى أن أكثر من نصف الخريجين الليبيين هن اناث ولا ينقصهن سوى فرصة عمل يثبتن بها فعاليتهن في المجتمع.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى الإنخفاض السريع في قيمة الدولار أمام الدينار الليبي ؟