الدور الإيطالي في ليبيا بين الهواجس الأمنية والمصالح الاقتصادية

Jul 05, 2018
حسين مفتاح - بوابة إفريقيا الإخبارية

ليس بحكم الجغرافيا والتاريخ فقط ترتبط ليبيا وإيطاليا بعلاقة خاصة. شهدت علاقة الطرفين حالات مختلفة من المد والجزر أشبه بأحوال المتوسط الذي تمتلك ليبيا أطول شواطئه في الضفة الجنوبية بينما تعد الشواطئ الإيطالية هي الأطول في ضفته الشمالية بل هي الأطول على الإطلاق. ويحتفظ التاريخ في سجلاته، العديد من السجالات التي دارت بين بحرية البلدين عبر حقب التاريخ المختلفة، لاسيما عندما كانت روما محور الحضارة في الجزء الشمالي من الكرة الأرضية، وكان البحارة الليبيون سادة البحر المتوسط، وتتالت الحروب والاحتلالات المتبادلة بين الطرفين حتى العصر الحديث الذي غزت فيه دول الشمال، الجنوب في موجة الاستعمار التي اقتسمت خلالها الدول الأوروبية القارة الأفريقية والشرق العربي، فكانت ليبيا من نصيب إيطاليا التي غزتها سنة 1911 بدعوى استعادة الشاطئ الرابع.

لعل هذا الحلم الذي طالما راود سادة روما هو ما جعل إيطاليا لا تتورع في التدخل المباشر إبان أحداث فبراير سنة 2011 على الرغم من العلاقة المميزة والاتفاقيات الاستثنائية التي كانت قد وقعتها قبيل اندلاع موجة "الربيع العربي"، فيما عرف باتفاقية الصداقة الليبية الإيطالية عام 2008، والتي تمكنت ليبيا بزعامة الراحل معمر القذافي، من الحصول عبرها على اعتذار صريح من الحكومة الإيطالية عن حقبة الغزو والاستعمار الإيطالي، إضافة إلى دفع تعويضات مادية جبرا للضرر الذي لحق بالشعب الليبي خلال تلك الفترة.

بعد اندلاع الأحداث الدامية في ليبيا منتصف شهر فبراير 2011 تولت المنظومة الدولية مهامها في التصعيد بوتيرة متزايدة تجاوزت كل الأعراف الدبلوماسية، بدءا من كذبة وزير خارجية بريطانيا الأسبق "وليام هيغ" الذي قال إن الزعيم الليبي معمر القذافي في طريقه إلى فنزويلا بعد بدء الأحداث، وتتالي التصريحات من رؤساء ومسؤولي عدد من الدول الكبرى التي نادى بعضهم بضرورة "رحيل القذافي"، وفي تلك الأثناء لم تتخذ الحكومة الإيطالية التي كان يرأسها برلسكوني، خطوات سريعة، بل بقيت في حالة تردد، حتى تأكدت من إصرار عدد من حلفائها من الدول الكبرى بما في ذلك أمريكا وفرنسا وبريطانيا على العمل للإطاحة بالنظام في ليبيا، لتجد نفسها أمام خيار الانضمام للمنظومة الدولية، وتعلن موقفها بالتخلي عن حليفها الاستراتيجي في شمال أفريقيا وتعترف بالممثل الجديد الذي اقترحته المنظومة الدولية وعرف بالمجلس الانتقالي الليبي والذي بدأت موجة الاعتراف به على حساب النظام ليتحول في وقت وجيز لصفة الممثل الشرعي لليبيا، وهو الأمر الذي اعترفت به إيطاليا أيضا في شهر أبريل سنة 2011، بعد أن أعلنت في وقت سابق إلغاء اتفاقية الصداقة الليبية الإيطالية، وشاركت ضمن قوات التحالف الدولي الذي قاده حلف شمال الأطلسي "ناتو"، بل شاركت بشكل فعلي بمساهمة طائرات سلاح الجو الإيطالي في العمليات القتالية واللوجيستية، علاوة على إتاحة عدد من القواعد الجوية على أراضيها لانطلاق مقاتلات الناتو لتنفيذ غاراتها على ليبيا.

واستمر الموقف الإيطالي من ليبيا على ما هو عليه وشاركت إيطاليا في مؤتمرات "أصدقاء ليبيا" التي عقدت في عدد من العواصم العربية والأوروبية، بل ونظمت بعضا من أعمالها، لضمان المحافظة على مصالحها مع "حكام ليبيا الجدد" بعد تأكدها من عزم العالم على تغيير النظام في بالقوة.  

وعقب انتهاء العمليات القتالية في ليبيا، وإسقاط النظام في أكتوبر 2011، بدأت الدول الكبرى في مراجعة حسابات مشاركتها في الأحداث لتقاسم "الكعكة" الليبية ومن بينها كانت إيطاليا التي باشرت بالتعامل مع كل الحكومات المتعاقبة في ليبيا بداية من حكومة الكيب، في شهر نوفمبر، ما تلتها من حكومات، وبرلمانات حيث تعاونت من باب المحافظة على مصالحها مع المؤتمر الوطني الذي تم اختياره في شهر يوليو سنة 2012، والحكومة التي انبثقت عنه برئاسة علي زيدان، ثم وطدت علاقتها مع مجلس النواب الذي نتج عن انتخابات 2014، والحكومة المؤقتة، قبل أن يتم إعلان حكومة الوفاق المنبثقة من اتفاق الصخيرات، والتي وجدت الرعاية الكاملة من السلطات الإيطالية بل إن وصول رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج لتولي مهامه في العاصمة طرابلس جاء على متن بارجة حربية إيطالية.

تبقى علاقة إيطاليا بليبيا تحركها عدة عوامل أهمها المصالح الاقتصادية، والهواجس الأمنية، حيث ترتبط إيطاليا مع ليبيا بعلاقات اقتصادية ومعاملات تجارية كبيرة، لعل أهمها وأكبرها مشاريع النفط والغاز، والتي تمثل شركة "إيني" أهم أذرعها حيث تمتلك أهم امتيازات النفط والغاز في ليبيا إلى جانب غيرها من الشركات العالمية الأخرى التي تتنافس مع الشركات الوطنية الليبية، وتستورد إيطاليا من ليبيا  ما يتجاوز ربع وارداتها من الطاقة التي تمثل  80% من احتياجاتها من الطاقة، علاوة على اعتمادها على الغاز الليبي في تلبية 12% من احتياجاتها، ومن الجانب المقابل فإن ليبيا تعد سوقا مهما للمنتجات الإيطالية المختلفة سواء كانت الصناعية والتقنية أو الغذائية وغيرها.

 أما الهواجس الأمنية التي تقض مضاجع الساسة الطليان فهي نتاج لما يمكن أن تمثله الشواطئ الليبية والتي لا تبعد عن شواطئها الجنوبية سوى 300 كيلومتر، الأمر الذي جعلها منصة لتدفق موجات المهاجرين الأفارقة نحو أوروبا، إضافة إلى ما تمثله سيطرة التنظيمات الإرهابية على المدن الساحلية الليبية من خطر داهم ليس على إيطاليا فحسب بل على أوروبا ومنطقة البحر المتوسط قاطبة، وهذا ما جعل المسؤولين الإيطاليين لا يتوانون في كل مناسبة عن الزج بأنفسهم في الشأن الليبي الداخلي، ولعل آخر تصريحات وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتي، التي حذرت فرنسا من التدخل في ليبيا باعتبارها تابعة لإيطاليا حسب إدعائها وجاءت لتؤكد استمرار الطليان في محاولات إحياء أحلامهم الاستعمارية في ليبيا التي طالما اعتبروها الشاطئ الرابع لشبه جزيرتهم.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

من يتحمل مسؤولية زيادة أسعار السلع الأساسية في ليبيا ؟