د. علي اعبيد

الديماغوجية

Feb 14, 2018

بقلم د. علي اعبيد

كلمة الديماغوجية ذات أصل يوناني يمكن ترجمته إلى "قيادة الشعب" أو "قيادة الجموع"، رغم أن مدلولها الحديث لا علافة له بالقيادة. الديماغوجية تعني إثارة عواطف الناس بالتركيز خطابياً على القضايا الحساسة في حياتهم وتبسيطها بطريقة ساذجة عبر تجريدها من تعقيداتها وملابساتها، حتى يصبح انتباه الناس ومشاعرهم مركز كلياً على الجزء المثير من القضية دون النظر إلى الأجزاء الأخرى. أول ظهور يسجله التاريخ للديماغوجية كان في أثينا القديمة، حيث كان الديماغوجيون يثيرون حماس العامة بالحديث عن معاناتهم ومتاعبهم، ويحثونهم على ضرورة رد الفعل السريع بلا دراسة ولا تخطيط ولا تفكير في العواقب.

وضع اللغويون العرب مصطلح الغوغائية مقابلا للديماغوجية، رغم أن الترجمة قد لا تعطي المعنى الدقيق بالكامل، وترجمها البعض على الدهمائية أو الدهماوية. الغوغائيون في كل مكان من العالم يثيرون مشاعر الناس من أجل الوصول للسلطة أو البقاء فيها، لهذا يكثر ظهورهم في مواسم الانتخابات والأزمات السياسية والحروب. بل ولا يتورعون في حشر أنوفهم في ميادين أخرى قد تبدو للبعض بعيدة كل البعد عن ظاهرة التهييج والإثارة، ومنها المجال الديني والاجتماعي والثقافي. ببساطة هم يمارسون التهييج الخطابي والاعلامي في كل ما يخدم مصالحهم عبر إثارة مشاعر الناس، بصرف النظر عن ما يترتب عن ذلك من تبعات قد تلحق بهؤلاء البسطاء الذين تم اللعب بمشاعرهم.

شهد التاريخ العربي الحديث بروز الغوغائية السياسية في كل البلاد العربية بلا استثناء، وكانت فترة ازدهارها هي فترة نشوء القضية الفلسطينية وظهور فكرة القومية العربية. وبقدر الحاجة إلى التأسيس الفكري العميق في معالجة هاتين القضيتين، ترعرعت الغوغائية وظاهرة التسطيح التي ركزت على إثارة عواطف وحماس الجماهير حول تحرير فلسطين من النهر إلى البحر وإقامة دولة الوحدة من المحيط إلى الخليج، حتى أنها شكلت عقبة في طريق بناء مقاومة فكرية حقيقية تهدف إلى إعداد القوة وبناء المجتمعات العربية من الداخل. كان الغوغائيون العرب يمارسون عملية تهييج ساذج لجموع البسطاء، واعدين إياهم بأن تحرير فلسطين لا يتطلب أكثر من حمل السلاح في جموع زاحفة، وأن العدو سيهرب أمام هذه الجموع الهادرة.

هزيمة 67 وضعت حداً حاسماً للديماغوجية العربية، وأعتبر البعض أن شطحات أحمد سعيد في إذاعة صوت العربية أسوأ وآخر ديماغوجية شهدها العرب في العصر الحديث.

رغم انحسارها في الشرق العربي إلا أن الديماغوجية بُعثت من جديد في ليبيا عن طريق القذافي ومشايعيه، فقد مارسها في معظم خطبه، وأثار عواطف الناس واستغل طموحاتها وآمالها من أجل هدف واحد هو: البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة. لم يكن القذافي يهتم بعمق القضايا الجماهيرية التي يطرحها، ولا كيفية الوصول فيها إلى حلول علمية حقيقية. على سبيل المثال، بسط قضية الوحدة إلى مجرد اندماج مباشر بين دولتين أو أكثر، حتى أنه طرح فكرة الوحدة مع مالطا وتشاد. لم يحاول تصور ما يمكن أن يصاحب ذلك من أزمات ومختنقات يمكن أن تعود سلباً على فكرة الوحدة، ولا حتى أن يستفيد من تجربة فشل الوحدة السورية المصرية.

 مدرسة الغوغائية التي أسس لها القذافي لازالت حية في عقول معظم مشايعيه وبعض خصومه على حد سواء؛ كلاهما لا يتورع في اجتزاء الحقائق، وإثارة المشاعر من أجل مصالحهم الضيقة المتمثلة في السعي للعودة إلى السلطة أو البقاء فيها، فهم الذين يقولون أن ليبيا تعرضت لغزو 42 دولة (عدد دول الناتو بكاملها 27 دولة..!)، وأن ليفي هو من خطط وقاد ثورة فبراير، وأن غسان سلامة هو من يحكم ليبيا، وبالمقابل لا يستنكف خصومه من رفع شعارات غوغائية مشابهة: الاسلام هو الحل، وإقامة شرع الله، وتحويل ليبيا إلى دبي جديدة، ليبقى الليبيون تحت رحمة الديماغوجية والديماغوجيين إلى الأبد.

طرابلس في 5-2-2018

وزير التعليم  الليبي السابق

الاراء المشنورة ملزمة للكاتب و لا تعبر عن سياسة البوابة

 


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى العلميات العسكرية في مدينة درنة ؟