أسامة التواتي

السيادة الضائعة والإنفلات الشامل للحدود

Feb 14, 2018

تعيشُ ليبيا حالة من الفوضى، والصراعات المسلحة، والانفلات الأمني منذ فبراير 2011، وكانت الأمور تسير بشكل بطيء، حتى المنعرج الأبرز لتدهور الحالة الليبية، حين أُطلقت عمليتان عسكريتان في البلاد عام 2014، ومن رَحِمِ هذا المنعرج العسكري وُلد انقسام سياسي  حاد، و اتسعت رقعة الانفلات الأمني، والانهيار الاقتصادي، واختلالٌ في انتظام النسيج الاجتماعي، ففقد المواطن الليبي أساسات العيش، وما عاد يُمَنِّي نفسه بالتنمية ونتائجها.

ولعل أحد الملفات التي تأثرت بشكل كبير  هو ملف أمن الحدود، فلا يَخفى على القاصي والداني حال الحدود البرية الليبية على امتدادها، فَهي تعاني انفلاتا شاملا، تجد فيه العصابات المسلحة ملاذا آمنا، كجماعة العدل والمساواة، وبعض التشكيلات التابعة للمعارضة التشادية والنيجرية... فالجيش التشادي توغل أكثر من 100 كيلومتر داخل الأراضي الليبية عامي 2012/2013 ، بدون أى مقاومة تُذكر، وفى غياب تام للجيش الليبى .

وفي سياق متصل  يُخبرني   العقيد (سليمان حامد حسن) آمر المنطقة العسكرية الكفرة: إن الجيش التشادي يتوغل من حين لآخر منتهكا السيادة الليبية، يطارد جماعات مُسلحة يعتقد أنها معارضة له!. الاعتداءُ على السيادة الليبية في حدودها البرية بدأ منذ أحداث فبراير 2011 عندما تمت سرقة ما في قاعدة السارة العسكرية، من معدات، ومحتويات، ومستندات خاصة بالجيش الليبي، من قبل حركة العدل والمساواة بعد إنسحاب الجيش منها . وبالحديث عن قصة اختراق السيادة فلا يقتصر الأمرُ على هذا الحد؛ فالسيادة مُـهَـــــــــتَّــــــكَــــــــةٌ برًا وجوًا وبحرًا، وهذا قد صرح به رئيس أركان القوات الجوية بالجيش الليبي سابقًا العميد (محمود عيسي) حين قال: إن هناك دولا لم يُسَمِّ منها غير إسرائيل، تُلقي نفاياتها النووية بالمياه الإقليمية الليبية، والصحراء الليبية، محذرا من خطورتها، وما ستنتجه من أضرار جسيمة .  كما  أبدى الباحث في شؤون الجنوب الليبي إبراهيم شريعة استغرابه استمرارَ احتلال الدرك الوطني الجزائري منطقة عين الكرمة الليبية بالقرب من غات إلى الآن، مؤكدًا أن ملف هذه القضية خطير للغاية، وتحدث عن تهريب المخدرات والأسلحة إلى ليبيا عبر حدود النيجر، ونهب معدات التنقيب عن البترول، لافتًا إلى اقتحام خبراء نيجريين الأراضيَ الليبية، وقيامهم بتفكيك معدات نفطية تساوي ملايين الدولارات،ومن جانب آخر وفي إحصائية من مديرية أمن مطروح المصرية، فقد بلغ عدد العائدين عبر منفذ السلوم البري 56 ألف عامل مصرى، منهم 22 ألف عامل دخلوا بصورة غير شرعية إلى ليبيا، و 34 ألفا دخلوا بصورة شرعية، وطبقا للأرقام الرسمية الدورية التى تصدر عن وزارة الداخلية المصرية، فإن عدد المتسللين إلى ليبيا، المقبوض عليهم منذ منتصف شهر فبراير من عام 2014 حتى نهاية شهر أغسطس من 2015، بلغ 55 ألف متسلل بين مصر وليبيا، منهم 10 آلاف ضُبِطوا أثناء التسلل من مصر إلى ليبيا، و 45 ألف متسلل أثناء التسلل من ليبيا إلى مصر، وتؤكد الأرقام الرسمية الصادرة عن مديرية أمن مطروح أن عدد المصريين الذين عادوا من ليبيا عبر منفذ السلوم منذ 16 فبراير 2015، وصل إلى 76 ألف مصرى، منهم 30 ألفا دخلوا ليبيا بصورة غير شرعية. تمثل هذه الأرقام مؤشرا خطيرا على حجم التسلل إلى ليبيا، خاصة وأن الفترة الزمنية قصيرة.

وفي ظل الانفلات الأمني الذي تعانيه الحدود المصرية - الليبية الممتدة بطول 1000 كيلومتر منذ اندلاع الثورتين الليبية والمصرية فى عام 2011 - تحول الشريط الحدودي (خاصةً المناطق الوعرة داخل الدروب الصحراوية التى تفصل بين الدولتين) إلى مَـمَـارّ للتهريب بجميع أنواعه، يسيطر عليها عناصر مدربة يجيدون السير فى الدروب الصحراوية، والتحرك باحترافية وحَذَرٍ بين الألغام المزروعة على أطراف المنطقة الحدودية، وهو ما قد يدفع عناصر هذه التنظيمات إلى عبور الحدود والدخول إلى الأراضي المصرية لتنفيذ بعض العمليات الإرهابية، على حد تقدير بعض الخبراء الأمنيين في مصر ، وهو ما دفع السلطات المصرية إلى رفع حالة الاستنفار الأمني داخل المنطقة الحدودية على أطراف محافظتي مرسى مطروح والوادى الجديد الملاصقتين للصحراء الليبية، وبالإشارة إلى ما تشهده الحدود الليبية مع تونس من نشاط كبير في تهريب المحروقات والمواد الغذائية، زيادة على تهريب البشر، والهجرة غير الشرعية، وتنقُّل بعض العناصر المتطرفة بين البلدين، مما سبب عمليات إرهابية، فقد أعلنت الداخلية التونسية في وقت سابق  توقيف أفراد من دول أفريقية جنوب الصحراء كانوا في طريقهم  للانضمام إلى (التنظيمات المتطرفة) بليبيا.

  في هذا السياق، قال الخبير الأمني السوداني العميد (آدم جمع) "إن حدود البلدين ظلت على الدوام مصدرا لمخاوف أمنية مستمرة بعد رحيل النظام الليبي السابق، خاصة في ظل الخلافات بين العناصر والمجموعات التي سيطرت على السلطة في ليبيا، وأدت للانقسام السياسي، وتشظي مؤسسات الدولة" .

تبادل الزيارات والاجتماعات بين ليبيا والسودان فرصة مهمة لمراجعة ما سبق الاتفاق عليه بين البلدين في شأن الحدود، والقضايا الأمنية المُتعلقة بهذا الملف، مثل الهجرة غير النظامية، وقضايا المجموعات المسلحة التي تتحرك في الحدود، مع التأكيد على ضرورة تكوين قوة مشتركة لتأمين الحدود، اقتداءً بالتجربة الناجحة التي تمت بين السودان وتشاد.

بعد الإطاحة بنظام القذافي، ومرور السنوات والحكومات، فلا تزال مساحات واسعة من الأراضي على طول الحدود البالغ امتدادها 4383 كيلو مترا، تعاني انعدامَ انضباط، ولم تتمكن التشكيلات المسلحة من الحد من الهجرة، والتهريب، ومن غلق الحدود، بل وفقدت الدولة حتى ممارسة سيادتها في الجنوب الغربي،: " فالجنوب الليبي خارج سيطرة الدولة ، وأصبح وكرًا آمنا للجماعات الإرهابية، وعصابات التهريب، وتجار المخدارات، والمرتزقة الذين يستخدمون القواعد العسكرية، ويعرفون كل المسالك والدروب الصحراوية ويملكون حرية التحرك في ظل غياب المؤسسات الأمنية". وهذا أمر أصبح معلوما للقاصي قبل الداني، وكل من زار مدن الجنوب الليبي بعد فبراير يعي جيدا حقيقة الأمر.

 توجد عدة أسباب لوصول الحدود البرية الليبية إلى هذه المرحلة من الانفلات والفوضي، وانعدام السيطرة عليها، فالأمر ليس وليد أحداث فبراير ، أو سقوط الحكومة المركزية في ليبيا فقط، بل يعود إلى عقود، فمشكلة الحدود الليبية تراكمية من سنوات، لعدم التعامل مع الملف بشكل صحيح وقواعدَ ثابتة، ولأن الإمكانيات التي سخَّرها القذافي للبنية التحتية والمراقبة كانت قليلة جدا، لم يكن في مقدور الأجهزة الأمنية الليبية المختلفة سوى رصد - وليس منع - حركة الهجرة والتجارة عبر الحدود، أو النجاح  في الجانب الأمني جزئيا، كتجارة السلاح وتحركات الجماعات الإسلامية التي تُثير مخاوفه، وتُهدد نظام حُكمه، وخيرُ دليل على ذلك أننا لم نشاهد أعمالا تخريبية أو إجرامية في ليبيا ولا تفجيرات ولاخطفا لسواح كانوا يتجولون في قلب الصحراء، بعكس دول متاخمة كانت تعاني مشاكل أمنية... ورغم هذه المؤشرات الإيجابية (الجزئية) فإنها تدل على صورة مزاجية القذافي في التعامل مع هذا الملف ورقةَ ضغطٍ على الاتحاد الأوروبي – قد تُحسب للنظام - فبموجب هذا الضغط تحصلت ليبيا على طائرات وأسلحة متطورة بعد إبرام اتفاقية مع إيطاليا للتعاون بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية، ولكن العمل في ليبيا كان بشكل غير منظم، وغير مؤسساتي، ومَهَمّة مراقبة الحدود تُنفذها إدارات متنافسة تعاني سوء التنسيق فيما بينها لأسباب ناشئة من فكر القذافي،  فكانت مهمة الجيش الليبي صعبة، وهي ضبط الحدود، وخاصة منطقة (الويغ) قرب الحدود مع النيجر، وقاعدة (السارة) الجوية القريبة من السودان، فقد كان القذافي يقسم ويُجَـــزِّئُ عمليات الجيش والتسلسلات القيادية، وفروعُ الجيش المختلفة ترسل التقارير المنفصلة إلى القذافي عبر لجنة مؤقتة للدفاع، وكانت الكتائب المختلفة التي تتكوّن منها القوات المسلحة الليبية موضوعة ضمن قواعد منفصلة، وأدى الافتقار إلى التنسيق والتسلسلات القيادية الواضحة، إلى جعل القذافي صانع القرار الوحيد، وبهذا الشكل صارت إدارة الحدود وهمية ومتناقضة، ومع ذلك فقد نجح القذافي في السيطرة إلى حدٍّ كبير على الحدود.

 كذلك نقلُ البضائع والتجارة بها عبر الحدود، وهو أمر يتم عادةً من أجل هوامش الربح الكبيرة التي تتحقق عندما تكون هناك حركة مرور بين القبائل في المناطق النائية،  وفي الواقع أن منظومة القوانين المعمول بها في ليبيا حتى الآن لا تجرِّم بشكل واضح بعض جوانب الاتجار كما أنها لا تلتزم بشكلٍ كامل باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية، وخاصةً في ما يتعلق بالتواطؤ مع السلطات المحلية. كما تُشكِّل التجمعات المحلية، خاصة مكوِّناتٍ كالتبو والطوارق، وحتى بعض القبائل العربية في الشرق والغرب والجنوب، واحدا من العوامل الداخلية لاختلال أمن الحدود، فإنهم يعتمدون على تجارة الحدود (كتهريب السلع التموينية، والسيارات، وحتى البشر) حيث إن التهميش الذي تعرّضت له هذه التجمعات لفترة طويلة على يد الدولة دفعها إلى إنشاء شبكات من التبعية مع امتداداتها العرقية في الدول المجاورة، ما سهَّل الاتجار غير المشروع، وتعتقد الجماعات المسلحة العاملة في المناطق الحدودية أن العلاقات القَبَلية أقوى وأوثق من ثقتها وعلاقتها بالحكومة الجديدة، وتضاعف الأمر بعد انهيار السلطة المركزية عقب فبراير.

كما أن بالمناطق الحدودية انعداما من المشاريع التنموية، وضعفَ معدلات الأجور في سلك الأمن، وهما – مع غيرهما - أسْهَمَا في الاعتماد على التهريب ونحوه... .

تُعدّ الطبيعة الجغرافية لليبيا  تحديا في سبيل تأمين الحدود؛ فالمساحة الجغرافية الكبيرة لليبيا  التي تبلغ 1.759.540 كيلومترا مربعا، وتأتي في الترتيب 16 عالميا، يتميز معظمها بالمناخ الصحراوي، وتتناثر فيها تجمعات سكانية صغيرة بمسافات تصل مئات الكيلومترات ، بالإضافة إلى الحالة الجيوسياسية ، فكلما زاد عدد الدول المشتركة حدوديا، كانت مهمة تأمينها أصعب، وأكثر تعقيداً، بتداخل العوامل السياسية، والجغرافية لتلك الدول،  وبالحديث عن التهميش فقد وقع أنْ زار وفدٌ من المؤتمر الوطني العام السابق مدينة أوباري جنوب البلاد عام 2012، فأعلمهم أحد أعيانها بأن "زيارتهم غالية" حيث إنها "الأولى لمسؤولين ليبيين منذ الحقبة الملكية" ! فلك أن تتخيل حجم التهميش الذي تعرض له الجنوب الليبي عامة ، ومدينة بجم أوباري على الخصوص.

ومن الأسباب الداخلية لفوضى الحدود، وَفْرَةُ السلع المدعومة، ومن دلائل كونه سببا دراساتٌ أشار إليها (السيد عبدالسلام نصية) عضو مجلس النواب تُفيد بأن ثلث الدعم الرسمي يُهرّب إلى الدول المجاورة  .هذه مجموعة من المشاكل الداخلية التي أدت إلى الفوضى في الحدود البرية الليبية، وأسهمت في انتشار الهجرة غير الشرعية، وتجارة السلاح، والمخدرات... والاختراقات المتكررة للسيادة الليبية !.

كذلك يجب التنويه إلى أن من الأسباب الداخلية أن سياسيين وأمنيين ليبيين، متواطئون مع المهربين، وتجار السلاح من جانب، ومع شبكات دولية من جانب آخر، لتسهيل مرور مقاتلين إلى ليبيا، ينضمون إلى التنظيمات المتطرفة، طلبا للمكاسب السياسية.

كاتب  و صحفي  ليبي وباحث في المركز الوطني لدعم القرار

الاراء المنشورة ملزمة للكاتب و لا تعبر عن سياسة البوابة  

 

 

 


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى 17 من فبراير بعد سبع سنوات ؟