القصة الكاملة للخيمة الغنائية وملاحم البهجة الوطنية

Jan 26, 2018
عبد الله الزايدي

 ارتبطت ألحان وحضور الفنان محمد حسن بالخيمة الغنائية ارتباط الايقاع بالنغم منذ انطلاقها منتصف نينات وحتى آخر عمل قدمه الراحل، حتى أن لقب فنان الخيمة كان الأكثر ارتباطا به ، واختياره للخيمة الغنائية منحه حضورا عمق من قربه من الليبيين كما لم يكن أي فنان آخر بل إن كثيرا من الفنانين الذي غنوا في الخيمة الغنائية أخذت أعمالهم التي قدموها تميزا وقربا من الناس مختلفا عن أي أعمال أخرى ويبدو هذا مع تونس مفتاح وعبير وفاطمة أحمد وعبدالصمد النعاس وسالمين الزروق وأنغام المصرية ولطيفة التونسية وآخري.، وللخيمة الغنائية قصة تكشفها بوابة افريقيا الاخبارية لأول مرة للقراء.

 في عام 1983 وعلى خلفية خلاف بينه وبين أحد المسؤولين بالإذاعة أخذ محمد حسن قرارا بالابتعاد والتوقف عن الغناء ومكث عاما كاملا ببيته لم يقدم عملا واحد فيما يشبه اعتزاله للفن. ومع عام 1984 تدخل الزعيم معمر القذافي شخصيا وطلب منه العودة إلى الغناء والتلحين، فقدم (جنودك جاهزين للتصدي) وهي واحدة من أهم الأغنيات التي قدمها وكانت من كلمات سليمان الترهوني وإخراج فرج المذبل صورها مرتديا الملابس العسكرية وقدمها بحماس تناغم مع تلك المرحلة وانتشرت الأغنية بشكل واسع.

 وبعد هذا العمل فكر الفنان محمد حسن في تقديم شكل جديد يعود به يكون متميزا فكانت (الخيمة الغنائية)، ذلك الخاطر العبقري الذي برق في ذهنه وجاء مرتبطا بثقافة المجتمع وحاملا معاني فنية وطنية، ومباشرة اتجه إلى رفيقيْ دربه الفني الشاعرين سليمان الترهوني وفضل المبروك وعرض عليهما الفكرة ووجد منهما إعجابا وانبهارا بها حتى أن سليمان الترهوني طعم فكرة الخيمة الغنائية بإضافات زادت من بريقها وشعبيتها وإثرائها منها أن تتجول كبرنامج تلفزيوني بين المدن الليبية وأن تقوم بزيارات إلى المصانع والمواقع الإنتاجية آن ذاك كما أدخل مخرج الخيمة محمد الهمالي الفنون الشعبية واشتهر الهمالي بلقب مخرج الخيمة .

وانطلقت الخيمة الغنائية جامعة اللون الفني البدوي والألحان والإيقاعات ذات الطابع الليبي في ملحمة من البهجة الفنية لم تتكرر وجمعت تحت أروقتها أغاني من كل أرجاء الوطن ولازال الناس إلى اليوم يذكرون ويرددون ألحان الغيمة الغنائية. استمرت الخيمة كبرنامج تلفزيوني إلى عام 1990 وقدمت عروضا فنية استثنائية منها سفر طاقمها إلى تشاد حيث قدمت حفلات للجنود الليبيين وشارك فيها عدد من الفنانين منهم الفنانتان عبير وسالمين الزروق كما شاركت في حفلات الابتهاج بإعلان الوحدة بين ليبيا والمغرب.

ومما يروى عن مواقف للفنان محمد حسن في مشاركة الخيمة الغنائية في احتفالات الوحدة بين ليبيا والمغرب أنه عند وصول السفينة غرناطة صباحا إلى المغرب وكانت تقل طاقم الخيمة وعددهم نحو 52 شخصا كان أحد موظفي السفارة الليبية في استقبال طاقم الخيمة وأبلغهم أن السكن سيكون في فنادق من اختيار السفارة ومصروف جيب يومي محدود جدا وهنا رفض محمد حسن وقال إن من سيختار الفنادق هم أعضاء الخيمة الغنائية وبمصروف جيب يومي 100 دولار وإلا سيعود الطاقم من حيث أتى وكان محمد حسن حازما في حديثه وهو يرى أن احترام الفنان من احترام بلاده وأن تقديم ما يليق بالفنان هو واجب تجاه الوجه الحضاري للبلاد.

رفض موظف السفارة لكن محمد حسن أمهله إلى المغرب وعندها استقل الموظف سيارته وذهب اتصل محمد حسن باللواء بوبكر يونس جابر وأخبره بما حدث تفصيليا، وفي ساعات المساء الأولى جاء الموظف ليخبر طاقم الخيمة الغنائية أن طلبات محمد حسن مستجابة وأقيمت في المغرب سبع سهرات في مدن وجدة ومراكش والدار البيضاء وآسفي وآغادير والرباط واشترك فيها فنانون مغاربة شعبيون وحققت نجاحا كبيرا. واستمر محمد حسن مرتبطا بالخيمة الغنائية ولم يقدم أي عمل إلا والخيمة ترافقه وأحيا حفلات في فرنسا وبريطانيا وفي القاهرة وغنى فنانون عرب في أروقتها وباتت رمزا فنيا وطنيا، كما كانت وجها حضاريا ليبيا محليا قدم في وقت كان كثيرون يتهافتون على النمط الغربي وعلى تقمص الأنماط الموسيقية الغربية ويتوجهون إلى الشباب لخلق حالة من التماهي مع الفنون الغربية وكانت الخيمة الغنائية تقدم نموذج الارتباط بالثقافة الوطنية ما أكسبها احتراما وحضورا مهيبا.

من الأغاني التي قدمتها الفنانة المصرية أنغام أغنية "ليبيا" وكانت من ألحان الفنان محمد حسن وعبرت أنغام عن سعادتها بالتجربة معه وهذه الصورة تنشر للمرة الأولى تجمع الفنانة أنغام بالفنان الكبير محمد حسن. من الأصوات العربية الكبيرة التي غنت في الخيمة الغنائية الفنانة نادية مصطفى التي قدمت من ألحان الفنان محمد حسن وكلمات الشاعر فرج المذبل اغنية غريق يا بحر لولاف وفي هذه الصورة التي تنشر لأول مرة الفنان محمد حسن مع النجمة نادية مصطفى وزوجها الفنان أركان فؤاد.

عندما عشق صوت لطيفة ألحان محمد حسن

تحب الفنانة التونسية لطيفة العرفاوي الأغاني الليبية لكنها تحتفظ للفنان محمد حسن بمكانة خاصة وتعشق ألحانه، كانت أول أغنية تقدمها لطيفة من ألحان الفنان محمد حسن أغنية "دللتني" من كلمات الشاعر سليمان الترهوني. ولهذه الأغنية قصة تدل على حب لطيفة لأغنيات محمد حسن فعندما استمعت لطيفة للأغنية وهي منتشرة بصوت محمد حسن. أحبت اللحن ورغبت في تسجله بصوتها وبحكم علاقتها بالشاعر سليمان الدرسي أرسلت اليه في مبلغا نقديا، وطلبت منه الإذن أن تغني دللتني، وبالفعل عندما حضرت الخيمة الغنائية إلى القاهرة سجلت لطيفة أغنية دللتني ومجموعة أغنيات للفنان محمد حسن منها جيتك ويسلم عليك العقل والحب بني وطني عربي.

رحلة نغم فتوغرافيا موسيقية

في عام 1976 وعندما استقر الفنان محمد حسن في مدينة الخمس بعد تجربة فنية في بنغازي خطرت له فكرة فنية غير مسبوقة ولم تتكرر كانت الفكرة انتاج ملحمة غنائية تجول باللحن والكلمات كل المدن الليبية، ويشترك فيها فنانون ليبيون، اتجه محمد حسن الى الشاعر الراحل فضل المبروك الذي أعجب بالفكرة وتحمس وكتب كلماتها   وبدأت بالمطلع الشهير.

يا عارف بلاد الغير ومش عارف مداين بلادك

ولو ينشدوك تحير في عن ارض من خيرها زادك

تعال غني معاي تعال

في رحلة نغم جوال

يطوف بينا بلادنا

بين غنوة وبين موال

ووضع الفنان لها محمد حسن في مطلعها لوحة موسيقية تميزت بجمل موسيقية عبقرية نقشت في ذاكرة الناس والحانا مميزة تناغمت مع كل مدينة وكانت ملحمة رحلة نغم الفريدة بما يمكن وصفه بالفوتوغرافيا الموسيقية وقد انفرد بوابة افريقيا الاخبارية عند رحيا الفنان محمد بحسن بنشر صورة تنشر لأول مرة التقطها الفنان المصور فتحي العريبي لمحمد حسن وهو يضع الحان رحلة نغم.

نبدأ منين ونبدأ منين

ونا بلادي ورد وياسمين

ونا غاويها على عداد الرمل اللي فيها

ولروابيها عاش من الخاطر والعين

جاء المحتوى الفني لرحلة نغم فيما يربو على الساعتين والنصف واشترك في غنائها الفنانون محمد حسن عبير -أشرف محفوظ -سالم بن زابيه -مصطفى طالب -تونس مفتاح -فهيم حسين -محمد السليني. وتعتبر رحلة نغم الى الان توثيقا فنيا لكثير من الاحداث التي مرت البلاد في تلك الفترة اضافة الى انها عمل يتغنى بالمدن الليبية .

 

مواقف في حياة محمد حسن

لم يكن محمد حسن ينظر إلى الفن من زاوية التكسب بل لم يكن يتخذ الفن وسيلة للحصول على المال، فقد كان يحمل فنه رسالة إنسانية عميقة الجذور مرتبطة بالقيم الوطنية التي كان مقتنعا بها. ومن المواقف التي تعتبر نموذجا لترفعه عن النظر إلى فنه كوسيلة للاسترزاق أن فندقا معروفا في تونس بإقامة الحفلات الليلية للزبائن واستضافة نجوم الغناء عرض على محمد حسن في التسعينات فترة الحصار العمل في إحياء الحفلات الليلية في الفندق مقابل ثلاثة ألاف دولار في الليلة وهو رقم مغر في تلك الفترة لكنه رفض بشدة وقال لو عرض على أضعاف هذا المبلغ لن أوافق. ويذكر المقربون من محمد حسن أنه رفض كفنان ملتزم أن يغني في حفلات لا تليق باسمه وتاريخه وشخصيته الوطنية وقناعاته.

الاعتزاز بالخيمة

كان الفنان محمد حسن معتزا بالخيمة ويعتبرها رمزا وطنيا وفنيا وارتبط بها إلى آخر عمل قدمه، ومن المواقف التي تشهد باعتزازه عندما لحن من كلمات الشاعر عبدالله منصور أغنية (ليش بطى) وكانت معدة لتغنيها إحدى الفنانات العربيات المغربيات المقيمات بالقاهرة وذهب محمد حسن إلى القاهرة واتصل بالفنانة ليعرض عليها العمل رفضت أن تغني العمل وقالت لمحمد حسن بغرور إنه يغني في الخيمة والأجواء البدوية وأنها لا تغني في الخيمة ولا في أجواء البادية وأنها فنانة عصرية، وعندما استمع محمد حسن لكلامها انفعل ورد عليها بقسوة وقال لها (الخيمة أشرف منك) ثم سجل الأغنية بصوته ونجحت نجاحا كبيرا ولم يغنها فنان بعدما حققت نجاحا كبيرا بصوت محمد حسن.

الإيثار ومشاركة الفنانين

كان محمد حسن يتحلى بخصال حميدة ومحبا لزملائه يدعمهم ويقف إلى جانبهم وكان لا يحمل عقد الغرور الفني أو الاستحواذ على ساحة الغناء ومما يذكر في هذا الصدد أنه كان يعتزم السفر إلى مصر لتسجيل ملحمة يا بو عبا وكان ذلك عام 93 وكان الاستعداد لأحياء ذكرى احتفالات الفاتح وقد اختار الفنان محمد حسن تحضر الفرقة التي اتفق معها للتسجيل في القاهرة إلى طرابلس لتسجيل الملحمة حتى يشاركه زملاؤه الفنانون تسجيل أعمالهم مع الفرقة المصرية مستفيدين من وجودها في طرابلس. وكذلك يذكر لمحمد حسن أنه عندما يكون مقيما في فندق في طرابلس ويصادف ألا يجد فنان من خارج المدينة غرفة كان يمنح غرفته لزميله ويرجع ليبات ليلته في بيته بمدينة الخمس (80كم) شرق طرابلس.

وبخلاف ما يشاع عنه من أنه استفاد من الملايين ولديه فندق في الخمس إلا أن هذا الكلام غير صحيح ولم يكن محمد حسن يبخل ماديا على إنجاز العمل فكان يصرف المبلغ المخصص على العمل وإذا بقي من المبلغ شيء يوزعه على أعضاء العمل بالتساوي.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

من يتحمل مسؤولية زيادة أسعار السلع الأساسية في ليبيا ؟