المرأة الليبية بين "ثورتين": مسيرة التحرّر والانتكاس

Mar 09, 2018
محمد بالطيب -بوابة إفريقيا الإخبارية

في احتفال واسع وكبير وسط مدينة بنغازي في أكتوبر من العام 2011 تحت مسمّى "يوم تحرير ليبيا"، بعد أيام قليلة من نهاية نظام العقيد معمّر القذّافي، وقف رئيس المجلس الانتقالي الليبي السابق مصطفى عبد الجليل في أوّل خطاب له بعد "انتصار الثّورة" ليعلن عن التوجهات الجديدة للدّولة الليبية حيث أنّ "كل القوانين التي تخالف الشريعة الإسلامية ملغاة" مؤكّدا على تغيير كل القوانين المخالفة لقواعد الشريعة في البنوك والاقتصاد والأحوال الشخصيّة ومن بينها ما يمس قضية المرأة، حيث قال عبد الجليل وسط التكبير وهتافات الجماهير "إن أي قانون مخالف للشريعة الإسلامية هو موقوف فورا، ومنها القانون الذي يحد من تعدد الزوجات".

هذا التصريح الذي خلّف ردود فعل واسعة، وفجّر نقاشات واسعة داخليا وخارجيًا، فتح السؤال بشكل مضغوط حول وضعية المرأة وحقوقها وحرّيتها في ليبيا الجديدة.

يعتبر المجتمع الليبي -عموما- مجتمعا محافظا، ببنية اجتماعية قبلية، وكمعظم المجتمعات العربية مجتمع أبوي بطرياركي بالأساس، حيث الوعي الذكوري هو المحدّد الأساس للثقافة الاجتماعية وحيث تعاني المرأة نوعا من الهامشيّة أمام مركزيّة السّلطة الذكورية، غير أنها في المقابل حققت العديد من المكاسب خاصة على المستوى التشريعي، واضطلعت بالعديد من المناصب السياسيّة والقيادية، واقتحمت كافة المجالات منها حتى المجالات الأمنية والعسكريّة.

ورغم ما كانت تعانيه من تمييز واضطهاد اجتماعي نظرا لطبيعة المجتمع الليبي نفسه، حيث تعاني المرأة من سيطرة مطلقة للرّجل وسلطة القبيلة والأعراف المتوارثة التي تعتبر في معظمها منحازة للرّجل ووصايته على المرأة والتي تحد من حركتها وفاعليتها في الفضاء العام، غير أنها استفادت من الكثير من التشريعات القانونية وتوجهات السلطة السياسية للتحسين من وضعها وان كانت تأثيرات هذه التشريعات محدودة حيث لم تنجح بشكل كامل في تغيير كاملة هذه الثقافة العميقة.

وفي هذا السياق التشريعي والسياسي، كان البيان الأول لثورة الفاتح من سبتمبر 1969 واضحا من خلال إعلانه الصريح لحرية البلاد وتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة دون تمييز وجاء الإعلان الدستوري بتاريخ 17 ديسمبر 1969 ليؤكد على "أن كل المواطنين الليبيين متساوون أمام القانون" .

في حين أكد إعلان قيام سلطة الشعب يوم 2 مارس 1977 "أن السلطة في ليبيا يمارسها الرجال والنساء من خلال المؤتمرات الشعبية وأعطى هذا التوجه دفعا هاما لعملية تحرر المرأة وانعتاقها واندماجها في الحياة العملية للبلاد وتعزز هذا التوجه بترسانة من القوانين دعمت المبادئ التي أعلنتها ثورة الفاتح من سبتمبر وعززت من الحرية التي اكتسبتها المرأة.

وفي تقرير سابق رصدت فيه "بوابة إفريقيا الإخبارية" أهم مكاسب المرأة الليبية في فترة ما بين "الثورتين" حيث تمثّلت البداية بصدور القانون رقم 10 لسنة 1984 بشأن الزواج والطلاق وآثارهما والذي كان منصفا للمرأة بامتياز ومنحها كامل حقوقها المقررة شرعاً، وأضاف عليها امتيازات أخرى كحق الحاضنة في بيت الزوجية. والمميّز في هذا القانون ليس فقط تعرّضه لأغلب المسائل الشائكة المترتّبة على الزواج والطلاق، بل تضمينه نصاً يسمح بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملاءمة لروح القانون في حالة عدم وجود نص. وقد منح هذا النص القاضي فرصة للاجتهاد في اتجاه تعزيز حقوق المرأة.

وفي السنة التالية، صدر القانون رقم 16 لسنة 1985 بشأن المعاش الأساسي. وقد ألزم الدولة بكفالة الأرامل والمطلقات، وقرر للأرملة التي لا تجد موردا كريما للعيش معاشا أساسيا يضمن لها حياة كريمة (المواد 7 إلى 12).بالإضافة إلى ذلك، أكّد القانون رقم 12 لسنة 2010م المتعلق بالعمل على أن حق العمل واجب لكل المواطنين ذكوراً وإناثاً (المواد 2،24،25).كما أكد على ضرورة تشغيل النساء في الأعمال المناسبة لطبيعتهن وعدم جواز التمييز ضد المرأة، بل قرر تمييزاً إيجابياً لصالحهن بخصوص مدة إجازة الولادة مدفوعة الأجر بالكامل والتي حددت بثلاثة أشهر. فضلاً عن ذلك، أعلن القانون مبدأ مساواة المرأة والرجل في الأجر.

وقد تُوّج هذا التوجه وبشكل لا يقبل مجالا للعودة إلى الوراء بتصديقه على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) سنة 1989. وكان للتصديق على هذه الاتفاقية انعكاس مباشر على تولي المرأة المناصب القضائية، فلم  تعد هذه المناصب حكرا على الرجال كما كان الأمر عليه في السابق. وتأكيداً على هذا المسار، ومن باب تعزيزه وتحصينه، تم إصدار القانون الأساسي رقم 20 لعام 1991 الذي يعد بمثابة وثيقة دستورية في ذلك الوقت بغياب دستور في البلاد.

وهدف القانون إلى تعزيز الحرية، وأحتوى على ثمانية وثلاثين مادة حرصت على المساواة بين الرجل والمرأة. فقد نصت المادة 1 منه على الآتي: " المواطنون في الجماهيرية العظمى – ذكورا أو إناثا – أحرار متساوون في الحقوق ولا يجوز المساس بحقوقهم". كما أكد في المادة (2)على حقوق المرأة في ممارسة السلطة وعلى أنه لا يجوز حرمانها من واجبها في الدفاع عن الوطن.

ورغم المساهمة الفاعلة للمرأة الليبية في أحداث "ثورة 17 فبراير" من العام 2011، غير أنّها لا تبدو قد حصدت الكثير من هذه "الثورة"، فمنذ اليوم الأوّل أعلن رئيس المجلس الانتقالي الليبي السابق عن العودة الى تعدّد الزوجات، وأمام تغوّل الجماعات الجهاديّة والجماعة المتطرفة تزايدت الضغوطات الاجتماعية وتكرس خطاب ديني معادي لحرية المرأة وتقوّى الخطاب المضاد لروح التحرّر الاجتماعي مع انتكاسة كبيرة للمشاركة الفاعلة للمرأة الليبية في الشّأن العام.

ومع ذلك تمكنت المرأة الليبية من فرض الكثير من الإجراءات التي تحدّ من هذه الموجة التي تعود بها الى الوراء حيث نجحت (مثلا) في فرض نسبة محترمة من التمثلية البرلمانية والمشاركة في الحياة السياسية وصنع القرار السياسي وان كانت هذه النسبة في نظر الكثيرين لم ترتق الى المنشود.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى الإنخفاض السريع في قيمة الدولار أمام الدينار الليبي ؟