المسلمون والإصرار الدائم على "التقدّم إلى الماضي"

May 14, 2018
تونس - شريف الزيتوني

مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" إلى واجهة الأحداث في سوريا والعراق وقدرته السريعة على احتلال مساحات شاسعة في البلدين منذ العام 2014، ثم تحوّله إلى ليبيا في مرحلة لاحقة وتغيّر اسمه إلى تنظيم الدولة الإسلامية، في إطار استراتيجية كاملة معلنا عن نفسه فيها البديل الإسلامي الجديد الذي سيحقيق مشروع الخلافة الإسلامية التي ستخرج العالم الإسلامي من الظلمات إلى النور وتعيد له أمجادا ضائعة حرمه منها أعداءه، كتبت روايات عديدة حول نشأة التنظيم وقدراته وتمويلاته وارتباطاته الدولية، لمعرفة حقيقته. فمنها من اعتبره تنظيما خارقا مسنودا بقدرات إلهية لا أحد قادرا على مواجهتها على اعتبار أن عناصره من أهل الحق خرجوا لمواجهة أهل الباطل من المسلمين وأهل الكفر من الغربيين، ومنها من اعتبره تنظيما مسنودا من قوى غربية في إطار مشروع كامل لمزيد تفتيت المنطقة العربية وتعميق أزماتها، لكن في كل الأحوال أن التنظيم هو وليد بيئتنا التي سهلت نشأته على اعتبار أنه بنى ذلك المشروع على مقولات من داخل الموروث الإسلامي تقوم على العنف وتسعى إلى إنهاء المختلف الذي يصنّف دائما في خانة الكفر الذي يجب قتاله.

"يتفق كثيرون من الباحثين والمتابعين لصعود ظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف ... بداعش ... على أن هذا الصعود يرتبط جوهريا بقبول 'الحاضنة الاجتماعية' المفترضة له، وعلى أنه لم يكن ممكنا، لولا القبول الضمني من هذه الحاضنة، أن تكون "داعش" أداة انتقام من السياسات التي مارستها الحكومة المركزية (في العراق)".

بهذه الجمل افتتح الكاتب العراقي فالح عبد الجبار مؤلفه "دولة الخلافة؛ التقدم إلى الماضي..داعش والمجتمع المحلي في العراق"، والذي سنحاول الاستناد عليه، دون التقيّد به تماما، في معرفة أسباب قبول المجتمعات الإسلامية لداعش كتنظيم جهادي عنيف لا يعترف إلا بلغة الذبح والقتال في تجنّ صريح على المسلمين وعلى التاريخ، حيث عاد الكاتب إلى نشأة هذا التنظيم والمشروع الفكري الذي بني عليه، مركزا أساسا على العراق كمحور رئيسي للكتاب، لكن المحتوى يستقيم على كل الدول التي ظهر فيها التظيم في كل من سوريا وليبيا باعتبارهما جزءا من المحاور الثلاثة التي أعلن فيها عن نفسه كبديل ديني واجتماعي وسياسي، بالإضافة إلى دول أخرى أعلن فيها عن نفسه عبر عمليات نوعية أو في مناطق محصورة وغير ثابتة مثل تونس التي حاول في مارس 2016 التمركز فيها عبر مدينة بنقردان الحدودية مع ليبيا لكنه فشل في ظل الاستعداد الأمني والرفض المجتمعي.

يعتبر عبد الجبّار أن مشروع الدولة الإسلامية هو حراك أيديولوجي يعبّر عن حقيقة تاريخية موجودة في العالم الإسلامي، مشيرا إلى أنه لم يختف يوما وإن بأشكال مختلفة، وقد جاء متجاوزا للتجارب السابقة وأساسا تجربة تنظيم القاعدة التي اختار أن يكون أكثر قسوة منها بل هو يعتبرها تجربة "مسالمة" وغير حازمة وعلى هذا الأساس خاض صراعا معها في أكثر من منطقة أسفر عن مقتل العشرات من الطرفين، كل يرى نفسه منهما أنه صاحب الشرعية والمشروع الأصحَّيْن.

يعود نجاح داعش في استقطاب المقاتلين إلى سببين؛ ديني وسياسي، الأول أن الذهنية العربية والمسلمة عموما أو الحاضنة الاجتماعية التي لديها قبول لكل ما يلامس عقيدتها دون أن تكون لها القدرة على الانتقاء وتجاوز "المطبّات" التاريخية، فوجدت نفسها منخرطة بشكل لا واع في مسارات الدولة الدينية وأسلمة المجتمع وإن بقوة السلاح، رغم أنه يستدرك في علاقة بمثال العراق أن الحاضنة الاجتماعية ليست حقيقة ثابتة وكأنه يحاول تحميل المسؤولية للدولة أو النظام التي تساهم ممارساتها في توفير تلك البيئة. أما السبب الثاني فهو سياسي حيث ترتبط الممارسات التي تقع في "الدولة المركزية" بخلق نوع من النقمة بسبب ما قال عبدالجبار إنه إخفاقها في بناء مجتمع تعددي ما يخلق رغبة التمرّد عليها طبعا إضافة إلى كونها دولة لادينية يجب الخروج عليها، وهذا الأمر متفق عليه تقريبا لدى أغلب التيارات الإسلامية حتى التي تدّعي منها الاعتدال.

كتاب "التقدّم إلى الماضي" يقدّم صورة وشهادات من داخل فضاءات الدولة الإسلامية في العراق (وهو الأمر نفسه في سوريا وليبيا)، عن القوانين التي يتعامل بها التنظيم المتطرّف، في علاقة بالممارسات الاجتماعية والمرأة والقوانين الوضعية، من خلال خارطة كاملة من الممنوعات التي كانت نهاياتها دائما بالعقاب على درجات خفته أو حدّته، الأمر الذي يعيد للأذهان مرويات تاريخية تتعلق بتعامل الدولة الإسلامية قديما مع غير المسلمين أو مرتكبي "الخطايا" مستعيدة مفاهيم الذمّيين والجزية والحسبة والأمير والدواوين، وهي المصطلحات التي تستوجبها فكرة الخلافة منذ تشكلها بعد وفاة الرسول قبل أكثر من 13 قرنا، وبهذا يكون العنوان تجسيدا فعليا لمفهوم التقدّم إلى الماضي وسط عالم متحول ومتطوّر شعاره الأساسي التقدّم إلى المستقبل.

ما يمكن مؤاخذته على فالح عبد الجبار في كتابه أو على الأقل في الجزء الذي أمكننا الاطلاع عليه، هو محاولة ربط وجود التنظيمات المتطرفة بالتضييق السياسي الذي عاشته الشعوب العربية في تاريخها الحديث، رغم أن في كلامه نوعا من التناقض على اعتبار أن فكرة العنف باسم الإسلام موجودة حتى في إطار الدولة الإسلامية في مفهومها القديم وليست مرتبطة بواقع سياسي بقدر ما هي مرتبطة بمقولات متوارثة تعطي الشرعية لتلك التنظيمات أن تمارس فكرها العنيف على الدولة والمجتمع بحجة تطبيق الشريعة الإسلامية. كما أنه حاول تخفيف المسؤولية على تيارات إسلامية بعينها عندما قال في المقدّمة "لا يجوز الخلط ..بين صعود الإسلام السياسي عموما، وهيمنة التيار التكفيري" بشكل يحيل إلى تعاطف مع الإخوان المسلمين وهذا قد يفهم أيضا من خلال المؤسسة التي أشرفت على النشر المعروفة بقربها من التنظيم الدولي المذكور، لكن الكتاب عموما نجح في تفكيك أيديولوجيا "داعش" بما هي أيديولوجيا قديمة تعتبر فكرة الدولة منصهرة مع مشروع الخلافة وتظهر أساسا في فترة الأزمات وتجد قبولا من قبل فئات هشة فكريا واجتماعيا ترى نفسها مستهدفة أو يصوّر لها أن دينها مستهدف ويجب الدفاع عنه بالمال والنفس.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف تري تقرير ديوان المحاسبة عن الفساد في المؤسسات الليبية ؟