النفط الليبي.. تعثر جديد يهدد انتعاشة مأمولة

Jul 03, 2018
عبدالباسط غبارة - بوابة إفريقيا الإخبارية

تعرض قطاع النفط في ليبيا، منذ العام 2011، إلى مشاكل وصعوبات متزايدة، وضعت مصدر الدخل الوحيد للبلاد على حافة الإفلاس. ورغم التحسن الذي شهده خلال الفترة الماضية، إلا أن الأوضاع المضطربة التي تمر بها البلاد، والصراع على إدارة العائدات النفطية، باتا يهددان انتعاشة هذا القطاع الحيوي.

وتوقفت عمليات إنتاج وتصدير النفط في ليبيا في منطقة الهلال النفطي، حيث أعلنت المؤسسة الليبية للنفط في طرابلس، الإثنين، تعليق عمليات إنتاج النفط وتصديره في شرق البلاد.وأعلنت المؤسسة في بيان "حالة القوة القاهرة على عمليات شحن النفط الخام من ميناءي الحريقة والزويتينة" بعد أن كانت قد أعلنت في 14 يونيو "حالة القوة القاهرة" في ميناءي السدرة ورأس لانوف.

وبذلك تتكبد ليبيا خسائر طائلة ناتجة عن تراجع الانتاج بمقدار 850 الف برميل يوميا من أصل إنتاج إجمالي يفوق بقليل مليون برميل في اليوم، في حين تشكل صادرات النفط مصدر العائدات شبه الوحيد لهذا البلد.وتأتي هذه الخسائر بعد فترة انتعاش أوصلت الإنتاج إلى مليون برميل يوميا قبل عدة أسابيع.

وكان الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، قد أعلن تسليم حقول وموانئ النفط إلى مؤسسة النفط التابعة للحكومة المؤقتة شرق ليبيا، بدلاً من تبعيتها لمؤسسة النفط التابعة لحكومة الوفاق بطرابلس، وهو القرار الذي تسبّب بصدام بين السلطات في الشرق والغرب الليبي، بعد منع السفن من التحميل من الموانئ النفطية الكبرى.

وتعتبر حالة "القوة القاهرة" تعليقا للعمل بشكل موقت، وحماية يوفرها القانون للمؤسسة بمواجهة الالتزامات والمسؤولية القانونية الناجمة عن عدم تلبية العقود النفطية بسبب احداث خارجة عن سيطرة اطراف التعاقد.وقال رئيس مجلس ادارة المؤسسة المهندس مصطفى صنع الله، الخزانات الآن ممتلئة بالكامل وعليه سيتم إيقاف عمليات الإنتاج.

ودعت المؤسسة الوطنية للنفط، الجيش الوطني الليبي إلى "وقف عمليات الإغلاق والسماح لها بأداء عملها لخدمة مصالح الشعب الليبي، وذلك بصفتها الجهة الليبية الشرعية الوحيدة المعترف بها دوليا والمسؤولة عن عمليات الاستكشاف والإنتاج والتصدير بموجب القوانين الليبية والدولية".وأوضحت أن "الخسائر الإجمالية اليومية للإنتاج تبلغ 850 ألف برميل من الخام، و710 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وأكثر من 20 ألف برميل من المكثفات"، ما يوازي "خسائر إجمالية للإيرادات" بقيمة "67,4 مليون دولار".

وبدأ تضرر إنتاج ليبيا مع اندلاع أحدث سلسلة من المعارك حول ميناءي رأس لانوف والسدرة اللذين أُغلقا لأسبوعين مما تسبب في فقد نحو 450 ألف برميل يوميا.حيث هاجمت جماعات مسلحة بقيادة القائد السابق لحرس المنشآت النفطية إبراهيم الجضران ميناءي رأس لانوف والسدرة في 14 يونيو وتمكّنت من السيطرة عليهما، قبل أن تستعيدهما قوات الجيش الوطني الليبي بعد معارك عنيفة.

وقدرت المؤسسة الوطنية للنفط الخسائر المالية للخزينة العامّة منذ الهجوم "بأكثر من 650 مليون دولار".وتصدر ليبيا النفط الى جميع انحاء العالم وخصوصا اوروبا والولايات المتحدة والصين.وتقدر "اوبك" احتياطاتها المؤكدة من النفط بنحو 48 مليار برميل، ما يجعل منها الاكبر في أفريقيا.

وسلطت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، الضوء على معدل إنتاج النفط في ليبيا وتأثير ذلك على السوق العالمي.وقالت الصحيفة البريطانية إن مؤسسة النفط الوطنية الليبية علقت عمليات تحميل النفط الخام في محطتين نفطيتين رئيسيتين، والأمر الذي من المتوقع أن يؤدي إلى انخفاض إنتاجية ليبيا المقدرة بـ850 ألف برميل في اليوم في الوقت الذي أدت فيه الانقطاعات العالمية في الإمدادات إلى تشديد السوق وارتفاع الأسعار.

وأضافت أن الانخفاض الكبير في ناتج البلاد الذي يعادل 80 في المائة تقريبا من إنتاجه، يأتي في الوقت الذي ارتفع فيه خام برنت مرة أخرى ووصل سعره إلى 80 دولارا للبرميل، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدعوة السعودية لزيادة تصدير 2 مليون برميل يومياً من النفط الإضافي إلى السوق لتعويض الانخفاض في إنتاج فنزويلا والهبوط المتوقع في البراميل الإيرانية.

ولفتت الصحيفة إلى أن الحكومات الغربية تدعو إلى فرض عقوبات على المشترين الذين يحاولون بيع "غير قانوني" للنفط مع الحكومة الشرقية في ليبيا.وكانت بعض الحكومات الغربية بما فيها بريطانيا والولايات المتحدة، قد أصدرت الأسبوع الماضي بيانا قالت فيه إن منشآت النفط الليبية يجب أن تظل تحت "السيطرة الحصرية" لمؤسسة النفط الوطنية التابعة لحكومة الوفاق غير المعتمدة.

وكان البنك المركزي الليبي يتولّى إدارة عائدات النفط لصالح حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، التي تقوم بدورها بدفع رواتب الموظفين في كل أنحاء البلاد، لكن مسؤولين شرق البلاد يتهمون البنك المركزي بتمويل الميليشيات. وقال الناطق باسم الجيش إن عائدات النفط يتم منحها للمجموعات الإرهابية التي تهاجمه في منطقة الهلال النفطي في حين يعاني الليبيون ظروفا معيشية صعبة خاصة في الشرق.

وقال نائب رئيس المجلس الرئاسي بحكومة الوفاق علي القطراني، إنه "لم يعد من المقبول مرة أخرى تهميش أبناء المنطقة الشرقية في حماية الموانئ النفطية بالهلال النفطي، خاصة بعد أن تأكد أن عائدات النفط التي تُحال لمصرف ليبيا المركزي في طرابلس باتت مصدر تمويل للميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية في ظل الصمت من قبل كافة الجهات".

يأتي هذا في وقت كشف فيه بحث حديث أن الوضع السياسي والاقتصادي في ليبيا، بات في قبضة تحالف لميليشيات العاصمة أطلق عليه البحث اسم "كارتل طرابلس". وحسب مركز "سمال آرمز سيرفي" للدراسات، فإن "كارتل طرابلس" أصبح شبكة إجرامية تضم ميليشيات أهمها ما يعرف باسم "قوة الردع الخاصة" بقيادة عبد الرؤوف كارة، و"كتيبة ثوار طرابلس" بقيادة هيثم التاجوري، و"كتيبة أبوسليم" التي يتزعمها "اغنيوة"، إضافة إلى "كتيبة النواصي" بزعامة علي قدو.

وتسيطر جماعات مسلحة على طرابلس، الأمر الذي يشكل وفق مراقبين، خللا في عمل المجلس الرئاسي والحكومة المنبثقة عنه برئاسة فايز السراج، ويؤكد أن العاصمة تحت سيطرة السلاح غير الشرعي.وذكرت "سمال آرمز سيرفي" أن هذه المليشيات استطاعت "خرق بيروقراطية الدولة ومؤسساتها"، مضيفة أن "حكومة السراج شرعنت هذه المليشيات ودفعت لها الرواتب من أجل شراء الولاءات".

وفي ظل إحتدام الأزمة وخطورتها، تصاعدت الاصوات المطالبة بتحييد النفط عن الصراع بين جميع الأطراف.وطالب عضو المجلس الأعلى للدولة، أبوالقاسم قزيط، الإثنين حكومة الوفاق الوطني والحكومة المؤقتة بإبعاد النفط عن الصراع السياسي، مبديًا استعداده لـ"قيادة وساطة بين الحكومتين تحفظ أرزاق الليبيين ودماءهم".

واقترح في منشور نشره على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك "تسليم الجيش الموانئ النفطية للمؤسسة الوطنية للنفط دون إبطاء، مقابل الإعلان عن ترتيبات أمنية جديدة خاصة في العاصمة طرابلس"داعيًا إلى "الشروع فورًا في استبدال المحافظ الحالي لمصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير".تجدر الاشارة الي أن الصديق الكبير الذي يصفه العديد من الليبيين بأنه أحد أذرع الإسلاميين، يرأس المصرف المركزي الليبي ويتمترس في المنصب رغم إقالته مرارا من قبل مجلس النواب.

وانخفض إنتاج ليبيا إلى 200 ألف برميل يوميا في منتصف 2016 ثم تعافى العام الماضي إلى نحو مليون برميل يوميا.وتحقق ذلك الانتعاش في سبتمبر أيلول 2016، حين سيطر الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر المتمركز في شرق ليبيا على موانئ نفطية محاصرة بما في ذلك رأس لانوف والسدرة وسمح للمؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس بإعادة فتحها.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة لرفع إنتاج ليبيا، إلا أنها لا تزال أقل بكثير من 1.6 مليون برميل في اليوم الذي كانت معتادة من الدولة قبل أزمة العام 2011. وتواجه ليبيا تحديات كبيرة في ظل انقسام الانقسام السياسي الذي يؤثر علي الأوضاع الاقتصادية والنفطية في البلاد بسبب الصراعات المسلحة التي عطلت الإنتاج.ويرى مراقبون أن تحسُّن آفاق الاقتصاد بشكل أساسي مرهون بتحقيق تقدم في اجتياز المأزق السياسي الذي أحدث انقساما في البلاد، وعلى تحسن الأوضاع الأمنية.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

من يتحمل مسؤولية زيادة أسعار السلع الأساسية في ليبيا ؟