عن محمّد حسن. ..ذِكرتك وجنبي شمعة

Jan 26, 2018
محمّد بالطيب

ليست أكثر من غصّةٍ عالقة، تلك التي ورّمت حنجرة الفنّان محمّد حسن في مرضه القاتل، ليرحل بها في سفره الأخير إلى الخلود في ذاكرة شعبٍ أنهكته الحروب وأدمته المعارك وذاكرة أمّةٍ مزّقتها الانقسامات، غصّةُ الوجع من مآلات وطنٍ دمّرته طائرات الناتو وهي تقصف مدنه وتقتّل أطفاله وتهدم مستقبله بسنوات طويلةٍ من الضياع.

محمّد حسن فنّان ليبيا الأوّل واسمها الموسيقي الأكثر شهرةً وتأثيرًا، لم يتردّد لحظة واحدة في إعلان موقفه من "ثورة 17 فبراير" وخيّر الانحياز بشكلٍ صريح إلى صف العقيد معمّر القذّافي وإلى "ثورة الفاتح من سبتمبر" التي طالما تغنّى بها حتّى سُميّ في أدبياتها بـ"فنّان الثّورة"، وهو الخيارُ الذي كلّفه إنهاء مسيرته الفنيّة عند سقوط النّظام نهاية العام 2011 والانزواء في بيته بمدينة الخمس غرب ليبيا.. كانت النهاية باردةً وموجعة وحزينة.

من الخمس سنة 1946 وإليها في العام 2017 كانت، دورة الحياة الطويلة عبر سبعة عقود قضّى جلّها سائرًا على دربٍ موسيقيٍّ طويل في مسيرةً استثنائيّة ومتفرّدة، عاش محمّد حسن خلالها متربعًا على عرشٍ من المجد الفنّي ملتحفًا بزيّ ليبي عتيق، مشعًا بحجم مدرسة خرّجت أجيالا من الفنانين الليبيين والعرب.  مثقّف نموذجي بكل أوجه الالتزام السياسي والفكري، عاش حياته منتميًا لفكرة "الثّورة" بالمفهوم الذي نظّر له العقيد معمّر القذّافي، مؤمنا بفكرة الأمّة العربيّة حاملاً لهمومها من فلسطين إلى كل قضاياها الموجعة، غنّى لأطفال الحجارة وغنّى للحب والعواطف وللمشاعر الإنسانيّة النبيلة، غنّى للوجع والفراق وأحيا خلالها تراث ليبيا الغنيَّ بعشرات الألوان الموسيقيّة المتنوّعة.

كان محمّد حسن فنّان الملاحم الكبيرة مسكونًا بالتراث والتاريخ والثقافة الشّعبيّة، فقد ظلّ على سبيل المثال يشتغل صحبة الشاعر عبد الّله منصور على السيرة الهلاليّة لمدّة ست سنوات كاملة ثمّ قدّم العمل في نسخته الأولى لمدّة أربع ساعات متواصلة بالاشتراك مع الفنانة الرّاحلة ذكرى محمد. علاقات محمّد حسن الفنيّة محليا وعربيًا كبيرة وواسعة فقد لحّن لكبار الفنانات في العالم العربي مثل ذكرى محمّد وغادة رجب ولطيفة العرفاوي وسميرة سعيد وأصالة نصري ونوال غشام وأيضًا وخاصة الفنانة الكبيرة وردة.

في معظم أعماله الغنائيّة تعامل محمّد حسن مع كبار الشعراء الليبيين على رأسهم علي الكيلاني وعبد الله منصور والشاعر المرحوم "سليمان الترهوني"، حيث يعتبر هذا الثلاثي من أهم الشعراء الذين ساهموا في مسيرة الرّاحل محمّد حسن.

فعن سليمان الترهوني تُروى في السّاحة الثقافية الليبية قصّة مفادها أنّ أغنية "وينك وينك" التي غنتها الفنانة أميرة وعدد من الفنانين الليبيين من بينهم الفنان الشعبي عصام العبيردي، والتي لحّنها محمّد حسن ولم يغنّها، كتبها الترهوني في المستشفى كعتاب لصديقه محمّد حسن الذي لم يزره في مرضه، وأرسلها له عبر ابنه، فتأثّر محمّد حسن ولحّن الأغنية ولم يستطع أداءها.  كما ينظر الكثير من النقّاد إلى ثنائية محمّد حسن وعلي الكيلاني، كصورة مشابعة لثنائيّة أحمد فؤاد نجم والشّيخ امام، فمع اختلاف السياقات ونوعية الفن، يجتمع الأربعة في نضاليتهم السياسية وإيمانهم بالقضايا القوميّة الكبرى، كما يشتركون أيضًا في نقطة أخرى وهي قربهم من العقيد الرّاحل معمّر القذّافي وتبجيله لهم جميعًا، ثمّ وفي الثنائيّتين كان رحيل الفنّان دومًا قبل الشّاعر.

أغاني محمّد حسن الكثيرة والمتنوّعة أخرجت الثقافة الليبيّة إلى الساحة العربيّة وكانت سفيرة لليبيا في أزمنة الحصار والمواجهة، محمّد حسن الذي تربّى في الإذاعة وكبر على فنّ الموشّحات وكان منذ بداياته مهتما بالتراث الليبي الغني جدًّا في تنوّعه، كان هو نفسه صورة جميلة وكبيرة لليبيا لعقود طويلة.

ربّما يبقى السؤال قائمًا برحيل الفنّان محمّد حسن عن مستقبل الفن الليبي والثقافة الليبية بشكل عام، فرغم ثراء وغزارة الإنتاج وتنوّعه مازالت الساحة الفنيّة والثقافيّة الليبية تفتقد إلى "نجومٍ" كبار، لايكاد يعرف الإنسان العربي عن الثقافة في ليبيا غير أسماء معدودة، ابراهيم الكوني في الرواية والصادق النيهوم في الفكر ومحمّد حسن في الغناء والموسيقى، لا تبدو مشكلة ليبيا الثقافية مشكلة إبداع ولا إنتاج، هي ربّما مشكلة إشعاع، وهو الشيء الذي نجح محمّد حسن في تجاوزه حتّى صار اسما من كبار الفنانين العرب عبر التاريخ.

ليس من السّهل وربّما ليس من المفيد كثيرًا الحديث عن محمّد حسن في حياته الشّخصيّة، فالرّجل عاش مترفعا عن الظهور والتصريحات واللقاءات منكبا على مشروع فنّي كبير وثقيل وطويل وكان يخيّر دومًا الفنّ عن الكلام، والمواقف المصاغة في رسالة فنيّة عن التصريحات والإعلام، وليس من السّهل أيضًا التأريخ للشخصيات التي تترك بصمتها العميقة في الحياة، لكن رحل محمّد حسن بعد صراع مع ورم في الحنجرة التي غصّت بمآلات الوطن الحزينة ولكنه ترك لهذا الوطن ولهذه الأمّة الشيء الكثير، وهكذا العمالقة دوما عبر التاريخ يرحلون جسدًا ولكن يخلّدهم الإبداع.

لو تكلّمت الأغنية العربيّة اليوم لمحمّد حسن لردّدت خلفه بحزن الفقد الكبير. ..ذكرتك وجنبي شمعة.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

من يتحمل مسؤولية زيادة أسعار السلع الأساسية في ليبيا ؟