في اليوم العالمي للمرأة: أي وضع لنساء ليبيا بعد "الثورة"؟

Mar 09, 2018
شريف الزيتوني -بوابة إفريقيا الإخبارية

يصادف يوم الثامن من مارس في كل عام اليوم العالمي للمرأة. الفكرة بدأت من داخل الولايات المتحدة أواسط القرن التاسع عشر من خلال ردود فعل نسوية عنيفة على ممارسات عمالية ومجتمعية قاسية، لتتدرج مع الوقت إلى بقية دول العالم وأساسا أوروبا خاصة مع صعود تيارات سياسية يسارية رافعة لشعار حقوق المرأة وحريتها وليتم الإعلان رسميا من باريس عن أول مؤتمر نسائي عالمي في 8 مارس 1945 إيذانا بالاحتفال الرسمي بذلك اليوم كعيد عالمي للمرأة تقديرا لمجهوداتها واحتراما لحقوقها.

في مناطق النزاعات مازالت النساء هن الضحية الأولى في كل شيء، حيث يتعرضهن لكل أنواع التحرش والاضطهاد والاغتصاب باعتبارهن الحلقة الأضعف في ظل الانفلاتات الأمنية وغياب أي قوانين ضابطة، وليبيا في السنوات الأخيرة ليست بعيدة عن هذه الحالات، بسبب ما تعرفه من اضطراب أمني وسياسي شجّع على كل أنواع التجاوزات بحقهن.
بعد سبع سنوات من الإطاحة بنظام العقيد معمّر القذافي لا شيء تغيّر في وضع المرأة الليبية. كثيرون اعتقدوا أن تغييرا جذريا سيقع في علاقة بالمرأة؛ التغيير وقع بالفعل، لكنه توجّهٌ نحو الأسوأ، بعد صعود تيارات متطرفة في الفكر والممارسة إلى واجهة الأحداث باستعادتها موروثا تقليديا يعتبر المرأة كائنا ثانويا لا حقوق له في ليبيا "الجديدة"، وكان ذلك عبر فتاوى لإكساب اضطهادها مشروعية دينية.

في ليبيا هناك نوعان من الاضطهاد، اضطهاد مكشوف وهو الجريمة الموصوفة كالاغتصاب أو العنف أو القتل، واضطهاد خفي مثل التحرش والابتزاز اللذين تكون المرأة معهما غير قادرة عن الإخبار بسبب العوائق الاجتماعية التي تعتبر التحرش نوعا من العار الذي يرافق المرأة ويصعب، وقد كشفت منظمات حقوقية عن مثل هذه التجاوزات مؤكدة عدم قدرة المرأة عن التصريح بها.

في شهر يونيو 2014، أعلن في ليبيا عن اغتيال الناشطة الحقوقية سلوى بوقعيقيص برصاصة في الرأس في مدينة بنغازي. بوقعيقيص المحامية المعروفة بمواقفها المنتقدة للجماعات المتطرفة اختارت النضال الجمعياتي المدني الرافض للاضطهاد والعنف والداعي إلى منح المرأة الليبية حقها الأمر الذي لا يتماشى وأفكار الجماعات الإرهابية التي لم تمهلها كثيرا من خلال إنهاء حياتها داخل منزلها وإنهاء مشروع مجتمعي تحديثي كانت تؤمن به.

الأمر نفسه كان مع السياسية فريحة البركاوي التي كانت شديدة الانتقاد للمسؤولين الذين خرجوا للأضواء بعد "الثورة" حيث خاضت تجربة سياسية كنائب عن مدينة درنة لكنها استقالت من منصبها بسبب عدم رضاها على المسار السياسي للمؤتمر الوطني العام وقتها، وتم اغتيالها بعد تنديدها بمقتل الناشطة سلوى بوقعيقيص، الأمر الذي يعطي رسالة للنساء الليبيات أن الاقتراب من الخطوط التي رسمتها جماعات الدم ثمنه طلقات رصاص، وقد كان لذلك أثر بالفعل في النشاط النسوي بتقلص أي نشاطات واضحة لهن بعد تلك الفترة على الأقل في مستوى جرأة المواقف.

مظاهر اضطهاد المرأة الليبية خرجت في أبشع صورة في العام 2016 عندما ظهر شريط فيديو يوثق عملية اغتصاب لامرأة ليبية في أحد ضواحي طرابلس من طرف ثلاثة شبان مسلحين تم القبض عليهم في وقت لاحق، الفيديو شكل صدمة لكل الليبيين باعتباره كشف حجم الكارثة التي أصبح عليها وضع النساء في ليبيا وقانون الغاب الذي أصبحت تمارسه المليشيات الليبية حيث تمت المطالبة بإنزال أقسى العقوبات بحق مرتكبي تلك الجريمة. لكن تلك الحادثة لا تعتبر استثناء حيث عرفت طرابلس ومدن ليبية أخرى عمليات اختطاف واغتصاب لنساء ليبيا خاصة في المناطق المحسوبة سياسيا على النظام السابق في ممارسات غابت فيها كل مظاهر الإنسانية وحقوق الإنسان، وقد ذكرت وسائل إعلام وشهود عيان إن مسلحين من مصراتة مارسوا كل أنواع الاضطهاد بحق النساء في طرابلس ولم يراعوا في ذلك أي حرمات أو أخلاق وتصرفوا بشكل انتقامي لا إنساني تأثيراته لا تمحوها عشرات السنين.

التحرش بدوره من المظاهر التي انتشرت في ليبيا بعد "17 فبراير" حيث تم توثيق عديد الشهادات بحق موظفات وطالبات يتعرضن للتحرش من طرف شبان ساعدتهم ظروف الفوضى والانفلات على القيام بتلك التصرفات وقد أنجز موقع سي أن أن العربي في أبريل 2016 تحقيقا ميدانيا عاد فيه إلى تلك الظاهرة بالتفصيل من خلال ذكر عدد من الحالات التي تتعرض يوميا للابتزاز والإزعاج في طريق الذهاب أو العودة من وإلى العمل والجامعات أو الأسواق، وقد أكدت فيه المستجوبات أنهن يفضلن عدم الحديث عن تلك التضييقات لعائلاتهن بسبب ما يمكن أن يسببه الأمر من حرج اجتماعي لها في ظل العيش داخل مجتمع مازالت الثقافة المحافظة هي الطاغية فيه، والتحرش من الأمور التي تعتبر عارا يصعب محوه من سيرة المرأة رغم عدم تحملها أي ذنب فيه.

التهجير داخل ليبيا أو خارجها، بدوره مظهرا من المظاهر الذي كانت ضحيته المرأة الليبية، حيث تعيش معه كل أنواع الحرمان من الحقوق والاستعباد، وما يقع لنساء تاورغاء إلى اليوم خير دليل، حيث يحرمن من العودة إلى منازلهن ويعشن في ملاجئ لا تتوفر فيها أبسط الظروف الإنسانية. بالإضافة إلى عشرات النساء اللائي هجّرن خارج ليبيا شرقا وغربا بعد أن قضت "الثورة" على حلمهن بالعودة إلى بلدهن بحجج مناصرة النظام السابق.

وإذا أضفنا إلى ذلك كل ما يلحق المرأة من تمييز على مستوى المناصب المدنية والسياسية وعلى مستوى التوضيف الحكومي والخاص حيث تكون مشاركاتها رغبة منها أو رغما عنها نوعا من الترفه أو القبول الثانوي حيث تسعى الثقافة العامة تغليب الرجل في كل شيء ويكون التعامل معها فوقيا أقرب إلى الاستعباد اللاواعي الذي تكون هي شريكا أساسيا فيها من خلال رهبتها أو سلبيتها في اقتحام الفضاء العام. لكن كل هذا لا ينفي وجود بعد الوجوه النسائية داخل ليبيا سواء بشكل فردي أو عبر التنظم الجمعياتي لديها الرغبة والجرأة في طرح قضايا التمييز ضد المرأة وتسعى جاهدة لتغييرها.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى الإنخفاض السريع في قيمة الدولار أمام الدينار الليبي ؟