"قوة الردع" بين الإتهامات وقرار الحل

May 11, 2018
عبد الباسط غبارة - بوابة إفريقيا الإخبارية

في وقت تتصاعد فيه الاتهامات المحلية والدولية على سلطات طرابلس، بأنها باتت غير قادرة على كبح جماح الجماعات المسلحة، أو محاسبة مسؤوليها عن الانتهاكات،أعلن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، حل قوة الردع الخاصة وضم أفرادها وآلياتها إلى جهاز جديد أطلق عليه جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة  والتطرف.

وبحسب بيان الرئاسي رقم 555،تؤول إلى الجهاز الجديد الأصول الثابتة والمنقولة التي كانت بحوزة قوة الردع، بما في ذلك القوة العمومية للأسلحة والذخائر، وأجهزة الاتصال والمراقبة والرصد والآليات.وتضمّن القرار أن تكون للجهاز الجديد الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، ويتبع لوزارة داخلية حكومة الوفاق الليبي.وأوضح أن الاختصاصات التي سيتولاها الجهاز تتمثل في تنفيذ السياسات الأمنية التي تضعها الدولة في مجال مكافحة العصابات الإجرامية التي تمتهن الجريمة المنظمة في التهريب وتجارة المخدرات والوقود والسرقة والحرابة.

وأعقب القرار موجة إنتقادات أشارت إلى أنه  يعطي صلاحيات مطلقة لقوة الردع عبر الجهاز الجديد،ووفقًا لوكالة الأنباء الليبية التابعة للحكومة المؤقتة، فإن الجهاز الأمني الجديد الذي ستلحق به ميليشيا الردع، بموجب القرار، سيمنحها صلاحيات تأميم الأحراز المالية والعينية التي يتم ضبطها مع المتهمين إضافة إلى التصنت على المكالمات ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي للمواطنين دون الرجوع إلى القضاء.وأكدت الوكالة أن القرار منح السراج عن طريق الجهاز المستحدث أحقية الاستيلاء على بعض اختصاصات الجيش، والأجهزة الأمنية الأخرى".

ودفعت الإنتقادات،برئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق،فايز السراج ،بتوجيه وزير الداخلية عبدالسلام عاشور، بالإشراف على تنفيذ قرار حل ميليشيا قوة الردع الخاصة،وأكد السراج في بيان جديد أن القرار "أثار ملاحظات لدى المختصين"، طالباً من وزارة الداخلية التنسيق بين الأجهزة الأمنية لمنع "تضارب الاختصاصات.

ونقلت "إرم نيوز"،عن مصادر ليبية قولها أن "الكتاب الجديد جاء في ظل وجود حملة معارضة للقرار في صفوف الميليشيا ذات التوجه السلفي، والميليشيات الأخرى التي ترى فيه مكافأة من السراج لقوة الردع الخاصة، فضلًا عن وجود تضارب وتغول في الصلاحيات التي منحت لها، بموجب القرار".

وتعتبر قوة الردع الخاصة من أبرز التشكيلات المسلحة التي تكونت منذ عام 2012 في طرابلس، واتخذت من قاعدة معيتيقة العسكرية - أقوى قواعد العاصمة الليبية - مقراً لها.وتألفت قواتها في ذلك الوقت من بقايا عناصر مجلس طرابلس العسكري الذي كان يقوده عبد الحكيم بلحاج قائد تنظيم الجماعة الإسلامية المقاتلة (مؤسس فرع القاعدة سابقاً في ليبيا قبل أن يتحول إلى العمل السياسي) الذي كان يدير خلال عام 2011 قاعدة معيتيقة.

ومنذ منتصف عام 2015،تصاعد عمل القوة التي يتزعمها عبد الرؤوف كارة المعروف بلقب "الشيخ الملازم"،بشكل أبرز بعد تفكك ميليشيات "فجر ليبيا" وتحول السيطرة على طرابلس إلى يد ميليشيات متعددة، وذلك حتى دخول حكومة الوفاق في مارس من عام 2016 إلى العاصمة الليبية، حيث أعلنت القوة ولاءها للحكومة وترحيبها بالاتفاق السياسي.

وأكسبت سيطرة قوة الردع الخاصة على قاعدة معيتيقة التي تحتوي المطار الوحيد بالعاصمة، وضعا خاصا لدى سلطات البلاد، لاسيما في طرابلس، فبدا وكأن حكومة الوفاق تعتمد عليها بشكل كبير في حمايتها، وهي التي تتخذ من قاعدة بوستة البحرية المتاخمة لمعيتيقة مقرا مؤقتا لها، فقدمت لها الدعم السياسي والقانوني اللازم إزاء كل اعتداء تعرضت له من قبل خصومها في العاصمة طرابلس، من المنتمين للمؤتمر الوطني السابق والمفتي المعزول صالح الغرياني.

يشار إلى أن قرار الحل ليس الأول من نوعه،فقد سبق لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، حل الكتيبة 33 مشاة، التابعة لمنطقة طرابلس العسكرية، التي يرأسها بشير خلف الله، الملقب بـ"البُقرة"، وذلك في أعقاب اشتباكات مسلحة واسعة مع "قوة الردع" بمحيط مطار معيتيق الدولي، ما تسبب في تضرره بشكل بالغ.ووقعت الاشتباكات التي دامت أياما عدة، بهدف إطلاق سراح سجناء من سجن تسيطر عليه قوة الردع داخل المطار، قال المجلس الرئاسي في بيان سابق:"إنهم من المتشددين ويتبعون لتنظيمي "داعش" و"القاعدة".

ويأتي قرار حل القوة مع تزايد أعمال الخطف، والإخفاء القسري في طرابلس، وسط اتهامات للميليشيات المسلحة التي تسيطر على العاصمة.وآخر هذه الإتهامات وجهها رئيس ديوان المحاسبة التابعة لحكومة الوفاق الوطني، خالد شكشك،مؤخرا، لميليشيا غنيوة الككلي المسلحة التابعة للأمن المركزي في أبو سليم بطرابلس بخطف عضو ديوان المحاسبة، أحمد محمد العمامي.

وقال شكشك في بلاغه، إن الميليشيا خطفت العمامي من أمام منزله في التاسع والعشرين من أبريل/نيسان الماضي، مطالبا النائب العام بالتحقيق معه واتخاذ الإجراءات اللازمة. ورأى شكشك أن عمليات خطف زميله العمامي "وسيلة ضغط على الديوان لتمرير معاملات مالية تتعلق بالجهات الأمنية والعسكرية، ما زالت تحت الفحص والبحث".

من جهتهم،وجّه نواب برلمانيون يتبعون منطقة شرق ليبيا، اتهامات لحكومة السراج بالصمت على انتهاكات ترتكبها في حق المواطنين، بـ"ابتزازهم وتوقيفهم وسجنهم خارج إطار القانون"، وقال الدكتور محمد عامر عضو مجلس النواب، لـ"الشرق الأوسط" إن "ضعف المنظمة الأمنية ساهم في تغوّل هذا الميليشيات في العاصمة"، مشيراً إلى أن "الخلاص منها لن يكون إلا بعودة الدولة".

إتهامات ساقتها ايضا منظمة "هيومن رايتس ووتش"،في تقرير نشرته الإثنين الماضي،قالت فيه إن العديد من الجماعات المُسلحة، بما فيها قوة الردع الخاصة، تعمل تحت غطاء وزارة الداخلية التابعة لحكومة الوفاق الوطني التي يبدو أنها غير قادرة على كبح جماح هذه الجماعات، أو محاسبة مسؤوليها عن الانتهاكات.

وقالت المنظمة الأمريكية،إن مجموعة مسلحة مرتبطة بحكومة الوفاق الوطني اعتقلت في 29 نيسان / أبريل 2018 المذيع سليمان قشوط ومحمد اليعقوبي منظمي جائزة إعلامية سنوية في ليبيا.ولفت تقرير للأمم المتحدة نُشر في شهر نيسان / أبريل الماضي النظر إلى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مرفق معيتيقة، مثل الاحتجاز التعسفي الطويل الأمد والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، والتعذيب، والحبس الانفرادي لفترات طويلة، وظروف الاحتجاز اللاإنسانية، والوفاة رهن الاحتجاز، والإعدام بإجراءات موجزة.

وفي فبراير الماضي،اتهم تقرير أممي قوة "الردع الخاصة"، التابعة لحكومة الوفاق الوطني الليبية، بالتواطؤ مع ميلشيات مسلحة على تشديد سيطرتها على طرق التهريب.وتوصلت لجنة خبراء في الأمم المتحدة إلى أن "الاتجار بالبشر في ليبيا آخذ في الازدياد"، موضحة أن قوة الردع "قد تكون تساعد الجماعات المسلحة على تشديد سيطرتها على طرق التهريب".

وفي أبريل الماضي،كشفت دراسة للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن الدولي،أن ميليشيات مسلحة في طرابلس سيطرت على مفاصل السلطة في العاصمة طرابلس منذ دخول "المجلس الرئاسي المقترح" في مارس 2016 وعلى الرغم من أن ولاء تلك الميليشيات لحكومة "الوفاق"، إلا أنها تسيطر بالفعل على الحكومة وقرارتها.وأشارت الدراسة الى أن استعانة المجلس الرئاسي بميليشيات مختلفة الانتماءات لحمايته في العاصمة طرابلس شكلت حجر الأساس لفشل الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات.

وأضافت الدراسة أن تلك الميليشيات،وهي كتيبة ثوار طرابلس بقيادة هيثم التاجوري وكتيبة النواصي بقيادة عائلة قدور وقوة الردع الخاصة بقيادة عبد الرؤوف كارة ووحدة أبو سليم التابعة لجهاز الأمن المركزي بقيادة عبدالغني الككلي"، والتي تخضع لسلطة المجلس الرئاسي في طرابلس تحولت من جماعات مسلحة إلى "مافيا منظمة" تمتلك شبكات تؤثر في الاقتصاد والأعمال والسياسة والإدارة في العاصمة.

وتتصاعد الانتقادات لحكومة الوفاق بسبب عجزها عن بسط سيطرتها تعوّيلها على الميليشيات التي أعلنت ولاءها لها،والتي مازالت في مرمى الاتهامات والشكوك.وكان القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر،قال إن رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج رهينة لدى مليشيات طرابلس، ويصعب عليه اتخاذ القرارات فضلا عن تنفيذها.مضيفا في لقاء مع صحيفة جون أفريك الفرنسية أن كل ما استطاع السراج أن يفعله هو قبوله بإجراء لقاءات وعقد اتفاقات لفظية لا مستقبل لها، وفق تعبيره.

ومنذ العام 2011،ترسخ وجود الميليشيات في ليبيا،والذي نتج عنه صراعات متواصلة على النفوذ والسيطرة،وهو ما أدخل البلاد في دوامة من العنف والفوضى.وبالرغم من الجهود المتواصلة لحلحلة الازمة وانهاء الانقسامات فان العديد من المراقبين يرون بأن إنهاء نفوذ الميليشيات يبقى النقطة الأولى لتحقيق الإستقرار في البلاد.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف تري تقرير ديوان المحاسبة عن الفساد في المؤسسات الليبية ؟