لعنة إنتشار السلاح في ليبيا

Apr 16, 2018
عبدالباسط غبارة - بوابة إفريقيا الإخبارية

يبقى انتشار السلاح أحد أهم التحديات التي تواجه المساعي الداخلية والدولية لإعادة الاستقرار إلى ليبيا، بعد سنوات من الاضطرابات السياسية والنزاعات العسكرية.فهذه الظاهرة التي انتشرت في البلاد منذ العام 2011،تحولت إلى المشكلة الأولى في نظر كثير من المواطنين الليبيين الذين يتعايشون يوميا مع خطر الأسلحة التي أصبحت سيفا مسلطا على رقابهم.

فمع إندلاع العنف في ليبيا وانجرارها أكثر فأكثر نحو عدم الاستقرار،تنامت ظاهرة انتشار الأسلحة خاصة مع إنتشار الجماعات المسلحة والمليشيات المختلفة.ورغم محاولاتها المتكررة فقد عجزت الحكومات المتعاقبة عن جمع السلاح وحل هذه المعضلة التى مثلت مصدر خطر على حياة المدنيين طيلة السنوات الماضية.

ولا يزال الرصاص العشوائي يسقط المزيد من الضحايا في البلاد، بالرغم من التحذيرات من الجهات المختصة والحملات التوعوية من قبل المؤسسات المدنية.وآخرها إصابة مواطن في منطقة السلماني بمدينة بنغازي برصاص عشوائي، نقل على إثرها لمستشفى الجلاء للجراحة والحوادث.ونقلت وسائل إعلامية عن مصادر طبية أن الرصاصة اخترقت اليد اليمنى وخرجت من اليد اليسرى.

والرصاص العشوائي ظاهرة تعاني منها بنغازي نتيجة انتشار السلاح فيها بصورة كبيرة،وقد حولت أفراح الليبيين إلى أحزان،على غرار ما حصل مع الشابة فاطمة التاجوري، التي أصابتها رصاصة طائشة داخل سيارة عائلتها، في فبراير الاضي، قبل خمسة أيام فقط من مراسم زفافها.ما أدى إلى موجة حزن عارمة في أوساط الليبيين.

مقتل "عروس بنغازي"، كما سماها مواطنو المدينة الذين خرجوا في مظاهرات منددة بمقتلها، لم يمنع مطلقي الرصاص العشوائي في الهواء من ممارسة هوايتهم، حيث أصيبت، نهاية فبراير الماضي، الطفلة هناء المبروك ذات الثلاثة أعوام برصاصة طائشة في الرأس أثناء تواجدها في المنزل بمنطقة حي الفاتح، في المدينة.

ولأنّ الأمر يثير غضباً شعبياً، عمد ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي في أكثرمن مناسبة إلى إطلاق حملات تندد بظاهرة انتشار السلاح في ليبيا، وتنامي حوادث إطلاق الرصاص العشوائي داخل الأحياء السكنية.ويعبّر الكثيرون عن مطالبهم بحماية أبسط حقوق المواطن وهو الحقّ في العيش والتنقل بسلام.

وعلى الصعيد الرسمي،أكد المسؤولون الليبيون في أكثر من مناسبة على خطر إنتشار السلاح في ليبيا،فرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية،فايز السراج،أقر في فبراير 2017،بمواجهة بلاده تحديات أمنية معقدة،في ظل انتشار السلاح،مؤكدا وجود العديد من التشكيلات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة،وسعي المجلس الرئاسي لدمج تلك التشكيلات في الجيش والشرطة،وفقا لبرنامج تم إعداده بالخصوص.

فيما أكد المشير خليفة بلقاسم حفتر القائد العام للقوات المسلحة الليبية، خلال المؤتمر الأمني الأول للقوات الليبية، إن أخطر ما يهدد الأمن هو انتشار السلاح خارج سلطة الدولة، موضحاً أن ذلك يسبب الانقسام الحاد بين الأطراف المتصارعة على السلطة،معلنا في الوقت نفسه عن معركة أمن المواطن لمكافحة انتشار السلاح.

ويثير انتشار الأسلحة بشكل مكثف في ليبيا مخاوف من عدم تحقيق الاستقرار في هذا البلد خلال الفترة القريبة القادمة.وهو ما عبرت عنه مؤخرا منسقة الشؤون الإنسانية بالبعثة الأممية في ليبيا ماريا ريبيرو،التي قالت إن انتشار المجموعات المسلحة والألغام الأرضية بليبيا يعرض النساء للنزوح والعنف.

وأعربت ريبيبرو في تصريحات نقلتها صفحة البعثة على فيسبوك، الجمعة الماضي، عن قلقها تجاه استمرار العنف والصراعات المحلية التي تكون النساء أول ضحاياها.فيما كشف مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقرير له الثلاثاء الماضي، على وجود جماعات مسلحة تنفذ عمليات قتل واختطاف لآلاف الأشخاص واعتقالهم تعسفيا دون أن تعاقب من قبل السلطات في ليبيا.

 يذكر أنه في مارس/آذار 2011، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1970، وطلب فيه من جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة "منع بيع أو توريد الأسلحة وما يتصل بها من أعتدة إلى ليبيا، ويشمل ذلك الأسلحة والذخيرة والمركبات والمعدات العسكرية والمعدات شبه العسكرية وقطع الغيار". كما حظر القرار أيضًا أن "تشترى الدول الأعضاء، أي أسلحة وما يتصل بها من أعتدة من ليبيا".وفي يونيو 2017،أصدر مجلس الأمن،قرارا بمواصلة حظر التسليح على ليبيا لافتا إلى أن"الحالة في ليبيا لا تزال تشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين".

ورغم هذا الحظر فإن ليبيا مازالت تشهد تدفقا للأسلحة المتجهة للجماعات المسلحة،وهو ما دفع رئيس البعثة الأممية في ليبيا غسان سلامة،إلى التصريح خلال كلمة له في الاجتماع التحضيري للقمة العربية المنعقد بالرياض،الخميس الماضي،بأن ليبيا لا تحتاج مزيدا من الأسلحة المهربة،وأعرب سلامة عن مخاوفه بعد أن تم موخراً رصد باخرتين تنقلان سلاحاً إلى ليبيا،مؤكدا أن ليبيا ما زالت تمتلك 20 مليون قطعة سلاح.

وكان المبعوث الأممي،قد دعا في يناير الماضي،خلال إفادة أدلى بها عبر دائرة تلفزيونية مغلقة من تونس، أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي،إلى ضرورة استمرار الحظر الدولي المفروض على تصدير السلاح إلى ليبيا منذ مارس/آذار 2011.مؤكدا بأنه لم يكن الحظر الدولي المفروض على السلاح أكثر أهمية في أي وقت مضى من الوقت الحالي.

وفي فبراير الماضي،دعا غسان سلامة اليوم الى التعامل "بحزم" مع استمرار تدفق الأسلحة إلى ليبيا بطريقة غير مشروعة في ظل عدم وجود سلطة موحدة تحمي الحدود.وجاء ذلك عقب اجتماع موسع عقده مع ممثلي النخب السياسية والقيادات الاجتماعية والأمنية بالجنوب الليبي لبحث مشاكل التي تواجه مدنهم خاصة على المستوى الأمني وتهديدات تأمين المنافذ الحدودية..

وقال سلامة في مؤتمر صحفي عقده بطرابلس "أريد تأكيد أمر مهم وخطير، هو دخول سلاح جديد إلى ليبيا، لأن الحدود غير مراقبة ولا يوجد سلطة ليبية موحدة لحمايتها بشكل فعال".وتابع قائلا ان "استمرار تدفق دخول الأسلحة إلى البلاد بطريقة غير مشروعة، أمر ينبغي التعامل معه بشكل حازم".وأشار الى أن "الأمم المتحدة تعمل بشكل مكثف وتجري اتصالات مع العديد من الدول لمنع دخول السلاح إلى ليبيا". 

وتعتبر الفوضى الأمنية مشهدا يرسم الأوضاع اليومية في ليبيا منذ سبع سنوات،وبات إنتشار السلاح في البلاد لعنة تهدد بإراقة المزيد من دماء الليبيين،مع تواصل عجز الحكومات المتعاقبة عن تنفيذ أي برنامج متكامل لجمع السلاح أو نزعه من المليشيات المسلحة ، التي غالبا ما تمتلك أسلحة وعتادا يفوق قدرة وتسليح الأجهزة النظامية الأمنية والعسكرية.كما يمتد هذا التهديد على الصعيدين الإقليمي والدولي،في ظل إنتشار العناصر الإرهابية العابرة للحدود.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

من يتحمل مسؤولية زيادة أسعار السلع الأساسية في ليبيا ؟