ليبيا..حقوق الانسان في مهب الانتهاكات

Apr 12, 2018
عبد الباسط غبارة - بوابة إفريقيا الإخبارية

على مدار السنوات التي أعقبت إندلاع الأزمة الليبية في العام 2011،ظلت البلاد في ظل غياب مؤسسات الدولة وسلطة القانون،نهبا للفوضى التي ترسّخ من خلالها وجود الميليشيات المسلحة ذات الانتماءات الجهوية أو الأيديولوجية، حتى أصبح منها الذراع العسكرية لمدن بعينها، أو لجماعات إسلامية بذاتها وبعضها بات يمتهن الخطف والسرقة والحرابة، وفي أحسن الأحوال يتاجر في البشر.

وأدى إنتشار هذه الميليشيات إلى تصاعد وتيرة العنف وإستفحال الجرائم في مشهد بات يمثل الواقع الليبي خلال السنوات السبع الماضية.وآخر دلالات الوضع الصعب الذي تعيشه البلاد،ما ورد في تقرير الأمم المتحدة الأخير الذي تحدّث عن ظاهرة الاحتجاز والخطف والاعتقال خارج القانون والإخفاء القسري أعمالٌ إجرامية، وأكد أن جماعات مسلحة هناك تحتجز آلاف الرجال والنساء والأطفال في ظروف مرعبة حيث يتعرضون للتعذيب وانتهاكات أخرى.

التقرير الصادر عن مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة،والذي نُشر بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، كشف "انتشارا واسع النطاق لحالات الاحتجاز التعسفي وغير القانوني لفترات مطولة والانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان أثناء الاحتجاز"، تطال نساء وأطفال ورجال في كافة أنحاء البلاد، وذلك بصورة تعسفية ، وأضافة إلى حرمانهم بشكل غير مشروع من حريتهم بسبب انتماءاتهم القبلية أو العائلية أو انتماءاتهم السياسية المتصورة".

وإتهم التقرير الحكومات الليبية المتعاقبة في طرابلس،بالسماح للجماعات المسلحة بالقبض على المعارضين والنشطاء والصحفيين والسياسيين، بينما دفعت مرتبات المقاتلين وزودتهم بالمعدات والزي الرسمي.مشيرا إلى أنه  نتيجة لذلك "تنامت سلطة المجموعات المسلحة دون رقابة وبقيت بلا إشراف حكومي فعّال".

وحث التقرير السلطات المعنية على "الإدانة العلنية والقاطعة لحالات التعذيب وسوء المعاملة والإعدامات بإجراءات موجزة التي يتعرض لها المحتجزون وعلى ضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم"، وخلص إلى «أن الإخفاق في التصدي لهذا الأمر "لن يؤدي إلى إلحاق المزيد من المعاناة بالآلاف من المحتجزين وأسرهم فحسب، بل سيفضي أيضًا إلى مزيد من الخسائر في الأرواح. كما أنه سيقوض أي جهود ترمي إلى تحقيق الاستقرار وبناء السلام والمصالحة".

ويأتي هذا التقرير ضمن سلسلة من التقارير السابقة التي أشارت إلى جرائم الميليشيات في ليبيا،ففي مارس الماضي،راسلت 18 منظمة ليبية ودولية الحكومة الليبية "من أجل النبش في ملفات الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان"، التي تم ارتكابها في ليبيا خلال السنوات الأخيرة.ووقع على الرسالة الموجهة إلى الدولة الليبية عدد من المنظمات الدولية والليبية، أبرزها منظمة العفو الدولية، ومركز مدافع لحقوق الإنسان ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وحقوقيون بلا حدود، وغيرها من المنظمات.

واعتبرت الرسالة أنه "رغم الاعتراف الشامل بانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد، لم ينجز الكثير على صعيد العمل على وضع حد لهذه الجرائم وإفلات مرتكبيها من العقاب".ودعت ليبيا إلى القبول باعتماد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، "آلية تحقيق دولية تمنع ارتكاب المزيد من الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان".

وأشارت المنظمات الحقوقية إلى أن هذه الانتهاكات "يتعرض لها مئات الآلاف من الليبيين، إلى جانب المهاجرين واللاجئين"، مطالبة بـ"وقف التجاوزات المستمرة لحقوق الإنسان على يد المجموعات المسلحة والميليشيات".وذكرت الرسالة أنه "لا تزال المجموعات المسلحة تحكم قبضتها على مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، حيث يقبع الآلاف قيد الاحتجاز التعسفي في ظروف لاإنسانية من دون توجيه اتهامات ضدهم، ومن دون أي مراجعة قضائية، ويخضع المهاجرون واللاجئون من جهتهم للاحتجاز التعسفي، ويتعرضون للتعذيب والعمل القسري والاستغلال الجنسي من مراكز احتجاز المهاجرين".

وكانت تقارير تحدثت عن قيام ميليشيات ليبية بعمليات استعباد وإتجار بالبشر،والتي أحدثت صدمة كبيرة في الأوساط الليبية والدولية،وأعقبتها تنديدات واسعة ودعوات لمعاقبة المسؤولين عنها.ونشرت منظمة العفو الدولية في عام 2017، تقريرا كشف عن تعرض المهاجرين من جنوب الصحراء لسوء المعاملة من مراكز الاحتجاز وغيرها من مواقع الأسر، وخضوعهم لعميات البيع والشراء بداعي العمل القسري.

ووسط فوضى الأمن في ليبيا، تقوم بعض الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس باختطاف الأطفال في محاولة لابتزاز الأهالي وكسب الأموال.ولعل جريمة مقتل 3 أطفال التي اهتزّ لها الرأى العام الليبى مؤخرا،خير دليل على المآسى التى ترتكبها الميليشيات.وتهدد هذه الممارسات السلم الاجتماعي في البلاد، حيث يعيش المواطن بين خوف فقدان حياته جراء هجمات الميليشيات أو التنظيمات الإرهابية أو الخوف على أهله وأولاده من عمليات الخطف والابتزاز.

وأمام تواصل تغول الميليشيات،تتصاعد الأصوات المنددة بعجز حكومة الوفاق الليبية عن التصدي لها ومحاولة شرعنتها.ففي يوليو الماضي،وجّهت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الأميركية،انتقادات شديدة لحكومة الوفاق الوطني، وقالت إن مجموعات مسلحة تتبع لها قامت بالاعتداء واحتجاز عدد من الناشطين في مجال حقوق الإنسان والمدونين، وهرب بعضهم إلى تونس بعد تهديد حياتهم

ويشير مراقبون إلى عجز حكومة الوفاق عن كبح جماح الميليشيات المسلحة،وهو ما عكسته بوضوح أزمة أهالي تاورغاء المهجرين منذ سبع سنوات.فبعد أن أعلن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج،في ديسمبر 2017،عن موعد بدء عودة أهالي تاورغاء إلى مدينتهم في الأول من شهر فبراير 2018،سارعت الميليشيات المنتشرة و إلى رفض الانصياع لأوامر السلط التابعة لها.وقالت المنظمة الليبية لحقوق الإنسان،في فبراير الماضي،أنه تأكد جليا واضحا عدم قدرة المجلس الرئاسي من إدارة شؤون البلاد، وبناء دولة المؤسسات ومحاسبة كل الأطرف المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان.

وتعكس مأساة سكان مدينة تاورغاء،وغيرها من المآسي اليومية التي يعيشها الليبيون منذ سنوات، حالة الفوضى المستشرية وعجز كل الأطراف عن إنهاء سطوة الميليشيات،التي لطالما خرج الشارع الليبي مرارا وتكرارا ضدها،ومطالبا بضورة إنهاء المظاهر المسلحة وجمع السلاح والمسارعة في تشكيل جيش وشرطة يخول لهما فقط ضبط الأمن.ويجمع المراقبون على أن الوضع في ليبيا صعب حيث تظل كل الحقوق في مهب إنتهاكات الجماعات المسلحة.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

من يتحمل مسؤولية زيادة أسعار السلع الأساسية في ليبيا ؟