الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي/ Dr Milad ELHARATHI

ليبيا .. نحو تخطى الخطايا

Feb 05, 2018

Libya Moving beyond Academic Liberalism

يبدو أن مشهد ثقافية السياسه الذى تشهدهُ الساحه الوطنيه  قد أستعاد بعضاً من "بريقه ومن شرعيته" فى أعقاب  احداث 2011 بداية  العقد الثاني من الالفيه الثالثه توظيفاً لتسويات مظهرها متطلبات التحول  وعدم الرضا على معدلات النمو والتنميه وتعثر السياسات العامه، وإنعدام هويتها. فهذه البلاد لا تحتاج الى وصفات  دعوويه مدجنه لوعى أجيالها وهى قد حددت مسارها الجمعوى والبنيوى  نحو الاستقرار والبناء العائلى الوطنى . ونعني بذلك الليبراليجية السياسية الجديدة؟

 

لكنها لم تأتى بشكل مباشر ليبرالياً له قاعدته الاجتماعيه, لأنها لا تملك ذلك ولأنها غير قادره على حمل المرْكب الليبرالى وفهم أبعاده ومقتضياته الوطنيه  وتحويله إلى معطيات جمعويه. ولعل  في لحظات معينه لدى الدوله الوطنيه  وتعاطفها الدبلوماسى مع الخارج القوى ، والتعامل المستمر مع القضايا السياديه , والأنشغال المُكلف مع الخطاب الاقليمى والدولى ومتطلباته، وعدم إيمانها بجدوى التعويل على الخطاب العاطفى  الداخلى  وإستجابتها  لخطاب الاستهلاك الغرضى، قد أسهم  بمدخلات   ليبراليجّيه صولاجانيه، وإنحسار الكفاءه بفعل  غياب الخبير الوطنى وإستدعائه من الخارج .

فمكونات ثقافيه  الليبرلجه ، إن صحت التسميه , منحدره من أصول ليبراليجَية البنيان والخطاب ، وفى أحيانٍ كثيره ليس لها مرجعيه، وكانت دائماً تعمل على إقصاء نفسها وبدون مبرر، وفضلت الانتظار لأكتمال المشهد, وتراءت لها  فى غمار نقد تجربة الليبيين ، وإستشراف غدهم, أفكار العدل وحقوق الانسان والمشاركه والحريه والمواطنه " والتأزم  المفتعل" والتنميه والرؤيا كأسلحه فعاله فى مواجهة حقبة الحصار  والانفتاح  , ومالت نحو أشكال من البرجماتيه والنفسيه مع بعض التراث السياسى الوطنى  بعد إذ كان موضوع  الحديث عنه غائباً ومحرماً لديها بفعل إقصائها الاءرادى لذاتها. فأزدهرت فى الأونه الاخيره  مسألة الحديث عن آلية السوق والانفتاح ونقد منظومتنا القيميه والمؤسساتيه من مرقب باهت أستؤجر من خارج الوطن, وكذلك مسألة حقوق الانسان والعمل المدنى والمشاركه فى صنع القرار والمطالبه بالحقوق وأحاديث الدمقرطه المتنوعه وهيكلة الهيكليه  وإسداء النصح الليبراليجّى!

شعارات كلنا نعشقها ونتوق إلى نماذجها الجمعويه والانسانيه ونبحث عنها, ولكن أين هى ؟ وكيفية مداخلها ومبررات تسويقها بدون مبرر مجتمعى لها؟   فتزايدت أعداد الناشطين فى العمل الجمعياتى والمقالاتى والمنظماتى والحرياتى وحديث الوطنيات والانسانيات  قصد تحويل ليبيا إلى ولائيه ليبراليجّيه غامضة التوجهات. وحتى ولو ولد الدستور المرتقب فالتمشكل الليبراليجّى سوف يكون حاضراً وتقنياته. فكيف تُعشق الاوطان ومن ثما العمل على هدمها بماضيها  وأجيالها والطعن فى إرثها السياسى والقيمى  وبمد ليبراليجّى فاقد الهويه والمسار البوصلى والمنوالي وإحداثيات التغيير.

وها هى اليوم تحاول إعادة إنتاج وتسويق ليبراليجّيتها فى الثقافه السياسيه الوطنيه والرأى العام  مستفيده من تواطؤٍ ما معها فى صعودها قبل أن يستفيق الوطن فجاءةً على ما تنطوى عليه الليبراليجّيه من مخاطر على وجود الدوله نفسها.  نحن هنا نتحدث عن مشهد ثقافية اللبرلجّه, بمعنى التثاقفى مقابل الوطن.

وبعيدًا عن هذه الثقافيه، هناك أحداثاً شهدها العقد الاخير من القرن الماضى  عالمياً وفى مطلع الالفيه الثالثه أفرزت إنعطافاً سيئاً على كيفية التعبير عن اللبرلجّه السياسيه الاكاديميه: إنهيار الاتحاد السوفيتى و تحطم جدار برلين و تدمير العراق بعدوانية عاصفة الصحراء وإغتصاب حاضرة العرب بغداد, وسقوط حاضرة اليمن  وسوريا بلد الامويين ، واخيرا حروب الجيل الرابع ونظرية الصدمة ومسح ذاكرة الشعوب في ليبيا سنة 2011،  فأنطلق الغرب الليبرالى يزغرد منتصراً فى منازلته الكونيه ضد اليسار القومى المنهوك القوى. ومن الغرابه بمكان سرعان ما وجد خطاب الانتصار من يتلقف مفرداته عربياً ووطنياً معيداً ترديدها: محتشماً فى البدايه, ثم متجرئاً فى الثانيه فعدوانياً فى الاخير بالاحتماء خلف العولمه و من خلال مظلة التآلف  الوطنى ومقولات ليبيا للجميع , وليبيا "ونذر التأزم والمأزوم" ليس استثناءاً.

فعربياً وجب التذكير بالسيناريو التالى: لقد إنتهت قوى اللبرلجّه العربيه المعاصره إلى القبول بمبدأ التعاون مع قوى الضغط الدولى, والتسويغ للشرعيه الدوليه المزوره لاءسقاط أنظمه حاكمه بدعوى إستبداديتها  وعدم  قدرة المعارضه أو الحركات الاصلاحيه على تغييرها بالاعتماد على الذات. ولعلها وجدت  فى سابقة التعاون  للمعارضه فى العراق  نموذجاً لاءختصار إمكانية التغيير كخيار سياسى ليبرالى . الليبرالجيّون عربيا ليس مهماً لديهم  إن كان ثمن تغيير النظام  ومنظومته المؤسساتيه والقيميه  ويكون الثمن إحتلال الوطن اقتصادياً وسيكولوجياً أو ثقافياً وإسقاط الدوله والكيان الوطنى، كما حدث فى العراق، وهذا الثمن ليس مهماً خصوصاً عندما يتم الحصول على السلطه،  والتى لم يكن لديهم الحلم بها لولا مطرقة الاحتلال وقساوة أزمات العولمه  والعربه الليبراليجّيه.                                                                                         

وتمضى اللبرلجّه الوافده تُمجد حثيثاً  نحو إعادة دورة الأستغلال والأحتكار السياسى والأقتصادى والثقافى والترويج لأعادة رهن مقدرات المستضعفين الليبيين وجعلهم ترساً فى خاصرة العولمه وازماتها الماليه، ومستنقعاتها التوسعيه.

فلم يتردد هذا الخطاب فى التهليل بأهمية الاسراع والانخراط فى منظمة التجاره العالميه أو إكتساب عضوية حلف الناتو وكسر شوكة الدوله الراعيه والمشرفه، والاسراع فى الاجراءات الهيكليه حتى ولو على حساب المستضعفين الليبيين . فركبت النخب الليبراليجّيه  أوهام  إقتصاد السوق وتشجيع بيع  مؤسسات و ممتلكات الدوله الليبيه، وفى انحاء من الوطن العربى،  لمن يملك  أكثر وحتى ولو كان للهويه ثمن لبيعها  فلا مانع من ذلك. فشجعت اللبرلجّه الاكاديميه أنظمة معايير المحاسبه الدوليه فى طول البلاد وعرضها  أو رهن الافراد الى مدى الحياه لقروض المصارف بعد خصخصتها. ليس ذلك فقط  فلقد رهن ذلك المخطط المتأثر بالأنموذج  الخليجى  وقودنا السلعى والغذائى الى وكلاء الوكالات التجاريه المجاوره لمحيطنا.!!! 

ولكن وحتى لا نعمم, فهذه الاحكام  لا يمكن تعميمها  على كل سائر الليبراليين. ثمة من يحفظ شرفه وشرف الفكرة ذاتها  وخلفيتها الوطنيه المطلوبه، والتى تتأسس عليها. فهناك فى الوطن العربى، وحتى هنا فى ليبيا، من يتعاطى مع الليبراليه بذكاء وطنى منقطع النظير . " فالمخلصين" منهم يدافع عن مشروعه الليبرالى  بشجاعه ولا يتخذ من لآءات الوطن مركباً أعرج يُجدف به  ضد المجهول.

إنه الليبرو الحقيقى الذى لا ينسف من الجذور سنين الوطن العجاف والايام السود "النود" و"القبْلى" "والعجاج والصحراء: و أرض الملح " :وبلاد  الطيوب  والمياه "الشلوق" و"الشبردق" و"الخرّوب", ودماء وشهداء حروب الجيل الرابع ونظريات الصدمة، ومحاولات أبناء ليبيا للتقدم وترسيخ ديموقراطية البناء،  ويجرم واقعه الوطنى.  إنه المصطف مع الواقعيه مع مواطنيه وشعبه وقواه الوطنيه والتى لا تفرط فى الماضى  وموروثه. نحن نتحدث عن فئه صغيره من الليبراليجيّين لا تستطيع أن ترث من التراث الليبرالى حتى إلاسم، وليس هناك ما يشدها إلى الوطن والوطنيه والعروبة والاسلام من وشيجه سياسيه أو ثقافيه أو سيكولوجيه او وطنيه.

 أن فئة من هولاء قد تعلم فى الغرب وفى مدارسهِ وجامعاتهِ على نفقة الذين  يود ُ أن يسوق الليبراليجّيه إليهم وينتقد منظومتهم القيميه والمؤسساتيه والتاريخيه. ليس ذلك فقط ولكن يحاول أن يعلمهم معانى اللبرله المفقوده.

وقد نجد لهولاء العذر . لقد نما وعيهم وترعرع فى مناخ الانكسار العربى  والتراجع الوطنى والانتشار الامبريالى والتفرد الراسمالى والمُتحالف مع النانو- تكنولوجى  ومداهمة دغدغات عولمة الانتصارات العسكريه لخيالهم  وصعود التيارات على أوطاننا .

 فالاستنقاع الثقافى وإنهيارات منظومة القيم السياسيه  الموروثه عن مظاهر السقوط , فهم اليوم يحاولو إعادة إنتاج وتسويق ثقافة اللبرلجّه للراى العام الوطنى والمرتبطه بدوائرٍ، لا شعورياً، قبل أن يستفيق الوطن على ما ينطوى عليه مثل هذا المشروع من مخاطر تهدد منظومتنا المؤسساتيه والقيميه والوطنيه وصنع الدوله البديله الجديدة المبنية على شرع الله.   

وإنحيازاً  للشارع الوطنى نقول أن مظاهر اللبرلجّه الوافده فى ثنايا جدلنا الوطنى والمُتعولمه والمشدوده بخيوط النسب والولاء إلى ليبرالية المحافظين الجُدد بدءاً من ريغان وتاتشر وبلير وجورج بوش الاول والثانى  وهيلارى كلنتون وقونداليزا وناقلات نفطها، وحتى منذ برنارد لويس إلى فوكوياما وفريدمان وكذلك خلوة آسبان الميرلانديه ومطبخ الخارجيه الامريكيه ومحطاتها" الحره" الفضائيه ، هى عموماً إخفاق لصيغتين ليبراليتين فى السياسه والاقتصاد والثقافه عبر تاريخ الفكر السياسى  المعاصر: ليبرالية ما بعد الحرب العالميه الاولى والثانيه، بمعنى ليبرالية نخب الدمقرطه الحاكمه لمواجهة الشرق عموماً، أما الثانية فزورت معانى الليبراليه وحولتها إلى التوحشيه التوسعيه وإبتذلتها فى تعاملها مع الاقتصاد والسياسه والثقافه والمجتمع وهموم العالم الثالث عموماً والعربى خصوصاً، وتأتى ليبيا نموذجاً  للاستهداف الليبراليجّى ،لكونها قابله للنهوض دون غيرها. وها هى اليوم تحاول إعادة إنتاج نفسها, أى الليبراليجّيه, لتخرج من شقوق وشروخ سابقتيها.

إذا نحن أمام الأخفاق الثالث لليبراليه ممثلةً فى الليبراليجّيه والليبراليجيون الجُدد الاستنساخ, وهذا يعنى أننا لسنا أمام مسلمات فكريه وقوالب ينبغى الأهتداء بها فى حراك المجتمعات . فالليبراليجيّه صنعه سياسيه وأفده نُسجت خيوطها لتتلأم مع معطيات الدول الناميه، مع أنها على نقيض تام معها . خطابها يعتمد على نقد المشروع الوطنى القائم  ومهما كان نوعهُ ومعارضة كل ما هو قابل للاستمرار، وهى تستشعر من ناحيه أخرى بأنها الوريث الشرعى للحداثه والتغيير .

ليبراليجّيه بهذا التوجه والصيغه وإلاخفاق والانكسار مدى  إستفادة  ليبيا الوطن منها ؟ وما العمق الفكرى الذى يمكن أن يعول عليه فى قيادة التحولات المجتمعيه خصوصاً ليبيا الوطن؟ ونتسأل كما يتسأل الشارع الوطنى  فى الداخل والخارج ورواد الشبكات الالكترونيه إلى أين هذا المنعطف الليبراليجّي يود أن يضع قطاره الغامض على إمتداد الوطن  وبواديه وواحاته ومدنه وتشكيلاتهِ وثرواتهِ ومكوناتهِ التاريخيه؟

 كان ينبغى من هولاء  الولوج إلى واقع مجتمعهم وإلتقاط حبات الزهر  فى هذا الوطن المعطأ  من خلال مشروع  التعامل الاءيجابى مع الحداثة والتحديث، بمعنى التطوير والنمو والتنميه الذاتيه الاصيله بعيداً عن الاستنساخ والمماهاه والتكراريه، وإفتعال تيار التنظير وتبنى فرص الاختناقات والاحتقانات العارضه، وتقديم المستقبل لبسطائنا لتمرير وْصفاته الليبراليجّيه .

ويكون الامل معقود عليهم  فى المحافظه على السلم الاهلى الاجتماعى الثقافى، وتجاوز فلسفة الاختناقات الاجتماعيه والسياسيه، وعدم  إفراغ الوطن من محتواه السياسى  والثقافى، من خلال إجترار كل ما هو ليبراليجّى،  حفاظاً على شرف الحريه لليبراليه، والعمل سوياً على  رفع كل أسقف الوصايا الثقافية والوطنيه والسياسية ، وتكسير كل أسس ثقافة الخضوع  الليبراليجّى، وتعزيز تقافية المشاركه  الجمعويه، وليس الاقصائيه،  والتى تعتمد على الولاء الثابت للقانون الاساسى للوطن  وثوابته ودستوره ، والدوله الوطنيه المزدهره المستقره، لأننا نريد دولة القانون والدستور،  لا دولة الوهم والخيال ورموزاً يتحدثون عنها.  وعلينا وعليهم إلتقاط مؤشر الحريه للمشروع الوطنى الاصيل والتعامل معهُ من معيار الوطن وموروثه وتاريخيته وخصوصيته الثقافيه.

ومتي ليبيا تتخطي خطاياها ؟؟

أكاديمي ليبي

استاذ زميل جامعة كيمبريدج / بريطانيا

الاراء المنشورة ملزمة للكاتب و لا تعبر عن سياسة البوابة

 

 

 

 

 


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى العلميات العسكرية في مدينة درنة ؟