محمد حسن، فنان الثورة والوطن

Jan 26, 2018
شريف زيتوني

الكثير من الفنانين العرب تعتبر الأغنية الوطنية بالنسبة إليهم نوعا من الموضة، استحضارهم لها يكون مناسباتيا خاضعا للظرف، والحاجة إليها تكون بقدر الحاجة إلى حدث مرتبط بها، لهذا كانوا في أغانيهم بعيدين عن هذا النسق. لكن قلة منهم اختارت العكس فكان الالتزام بالوطن أساس مشروعها الثقافي وحتى أغانيها العاطفية كانت حاملة لروح وطنية، ومن بين هؤلاء وأشهرهم الفنان محمد حسن الذي يعتبر تجسيدا صريحا لفنان الوطن أو كما يسميه الليبيون فنان الثورة.

في ليبيا فنانون مميزون ومبدعون لكن محمد حسن أكثرهم تميزا وهو أقرب إلى الظاهرة الفنية والثقافية منه إلى مجرد فنان. كان الأشهر والأقرب إلى قلوب الناس، شخصيته الهادئة وذوقه الراقي جعلاه رائدا للأغنية الليبية في حياته وسيكون رمزا بعد رحيله. الرجل إلى جانب الأغاني الكثيرة التي لحنها وغناها في مختلف المواضيع، اختار أن يكون كذلك فنانا ملتزما يغني لليبيا وللوطن العربي. العديد من أغانيه بقيت تُغنى في كل المناسبات الوطنية والقومية. كان الليبيون يعتبرونه ولازالوا فنان الثورة بامتياز، غنى لها ولقائدها ليس تقربا أو تزلفا بل قناعة وثباتا على مبدأ تبناه واقتنع به، كما غنى لفلسطين وللأمة العربية حاملا همها ككل عربي حالم بتحررها ووحدتها في يوم ما.

ليس خافيا على أحد قرب الفنان محمد حسن من الزعيم الراحل معمر القذافي. الرجلان كانا حاملين لهوى قومي ناشد للوحدة العربية. محمد حسن عكس القذافي لم يكن سياسيا ليصدر مواقفه عبر خطب أو في بينات الأحزاب والتنظيمات، لكنه كان فنانا حملت أغانيه روحا وطنية عبر فيها عن أفكاره السياسية، ساعدته في ذلك علاقاته القوية بأفضل شعراء الأغنية الليبية، ومن المهم أن يعرف الشاعر الغنائي ما الذي يريده منه ملحن الأغنية ومؤدّيها، وهذا ما وجده فنان الثورة الليبية في شعرائه.

كثيرة هي الأغاني الوطنية في تاريخ محمد حسن، لكن حتى الأغاني التي لم تصنف وطنية حملت في داخلها هوى وطنيا، يستذكر الوطن وأمجاده وأهله؛ من حديثها على البادية والصحاري وما فيها من امتداد إلى الحديث عن الخيل والفروسية باعتبارها رمزا ثقافيا يفتخر به الليبيون نظرا لارتباط الخيل بذاكرة الاستعمار وبصورة المقاوم الشهيد عمر المختار، إلى المرأة ولباسها التقليدي الجميل الذي يقدّم صورة عن نساء ليبيا المحافظات الحييات. هي أيضا أغان كلها دلالات تحمل في داخل الوطن ليبيا، والوطن العربي الكبير بكل ما يحمله من ثقافات متشابهة.

في سنوات التسعينات الأولى اكتشفنا ولانزال أطفالا أغاني محمد حسن الوطنية، كانت الإذاعة الليبية القريبة منا على مواعيد يومية مع تلك الأغاني الخالدة، وهي التي زرعت فينا هوانا القومي الذي تواصل معنا إلى اليوم. من أولى الأغاني التي عرفناها كانت أغنية "تحية عربية" هي أولى الأغاني القومية التي نسمعها، أسعفنا وجودنا على الحدود مع ليبيا لنسمع "صوت الوطن العربي صوت اللجان الثورية"، الراديو الذي كان له الفضل في أن نشعر بأننا ليبيون مثل أي مواطن ليبي، كانت الأغنية موقفا صريحا ضد التقسيم وضد الحدود الوهمية، وكانت حاملة لحلم الوحدة العربية الذي يتبناه محمد حسن أسوة برفيقه وصديقه معمر القذافي.

هو لم يكن الفنان الذي يغني فقط، كان أيضا الفنان الذي يفكر أو الفنان الملتزم بواقع أمته من محيطها إلى خليجها، لهذا كانت فلسطين جزءا من مشاغله ومن أغانيه أيضا حيث غنى لها "ارسم وقاوم" أو "ارسم فلسطين". كانت الأغنية رسالة من رسائله الكثيرة بأن الوطن هو الكنز والرمز الدائمين وفلسطين بالنسبة إليه هي الكنز الذي لا يجب إضاعته.

ليبيا أيضا كانت بالنسبة إلى محمد حسن الحضن الذي يلجأ إليه في كل زمن، فغنى لها قبل 2011، معتبرا أنها وطن عالي المقام الذي يشتاق إليه كل من غاب عنه وهو بلدٌ "زين على زين"، في أغنية تستحضر كل الفترات في تاريخها، مفتخرا بأهلها وطيبتهم وكرمهم، كما غنى لها أغنية "يا ليبيا يا جنة" وطنه الذي عاش فيه أهله بكرامة وعزة قبل أن تعبث به قوى الشر في الداخل والخارج.

كما لم تغب علاقة محمد حسن بالزعيم معمر القذافي حيث غنى له وبوجوده اعتقادا من الفنان الليبي بل قناعة، بأن الثورة التي قادها كانت مرحلة خارقة في تاريخها والدرب الذي سار هو درب التحرير الحقيقي، وهو خطوة العزة التي غيرت حياة كل ليبي نحو الأحساس بالفخر في بلده وبثورته، فلا زالت ذاكرة الليبيين تحتفظ بـ"هم هكذا أبدا" وبـ"خلي يتوازو رجالها" وبـ"ريت الفارس في ملهادة"، التي تتغنى بالعقيد وتقدّم صورة خاصة به مازال كل ليبي يستحضرها أمام الواقع المتغير والصعب الذي طرأ على البلاد.

ولم يشأ فنان ليبيا أن يغادر هذه الدنيا قبل أن يقدّم شيئا لوطنه، حيث ختم أغانيه بـ"كانك تحب بلادك" التي كانت دعوة إلى الشعب الليبي إلى الوحدة، مستذكرا فيها طيبته وقدرته على التجاوز. الأغنية عبارة عن رسالة في التجاوز ورسالة في البناء كانت بكلمات مقصودة أراد بها صاحبها أن تكون أغنية للتسامح والحفاظ على البلد، ضمانا لمستقبل أجيال قادمة تحلم بوطن جامع بعيدا عن الأحقاد والتقاتل.

بعد سنوات سيأتي جيل لا يعرف محمد حسن الإنسان، محمد حسن الذي سخر حياته لأجل بلد كان يحلم أن يكون أفضل، غير أن ذلك الجيل سيجد أمامه إرثا غنائيا ثريا سيعرف به ليبيا الموحدة الهادئة التي كان المواطن يعيش فيها كريما مفتخرا بنفسه وببلاده. لكن الجيل الحالي سيبقى يتذكر الفنان الذي مثل استثناء في الأغنية الليبية والعربية، الفنان الذي امتلأت له المسارح في طرابلس وقرطاج وباريس ولندن. مات محمد حسن، لكن لم تمت صورة الوطن التي صورها لنا في أغانيه فأحببناها وأحببناه بها.


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى العلميات العسكرية في مدينة درنة ؟