المرغني جمعة

من سبها إلى واغادوغو

Mar 10, 2018

قبل عشرين سنة كنت برفقة الأستاذ إلهامي المليجي عند الأستاذة فريدة النقاش وأذكر أنني تحدثت عن ((تعميق حاجز الصحراء )) حتى لا يكون العرب أقلية على شواطئ المتوسط، لا أعتقد أن ما أوردته حظي بإعجاب أستاذتنا الكبيرة أو بحماسها ومع ذلك طلبت مني أن أكتب شيئا للنشر و كتبت حول ذات الموضوع لكن لم ينشر ربما كان ما كتبت لا يتوافق مع سياسة المجلة أو أن النفس القومي لم يتوافق مع الاشتراكية الأممية .

اليوم أجدني أقترب من ذات الموضوع بمقاربة أخرى بعد زيارات لأكثر من اثنتي عشرة دولة أفريقية و حضور أربع قمم أفريقية ..

هذا الأسبوع أحداث سبها و اعتداءات واغادوغو ما يجمعهما ليس التزامن بل الجغرافيا و الديموغرافيا و الكثير من طلاسم التاريخ ..

ليس غريبا أنه كل ما تحدثنا عن أفريقيا نجد أنفسنا نتقاطع مع السياسة الفرنسية وللأسف يعتبر الفرنسيون أنفسهم أكثر دراية بخفايا القارة خاصة فيما يعرف بالساحل والساحل هنا تسمية للمنطقة الممتدة من جبال تيبستي الى ضفاف نهر السنيغال  بل أن بعضهم يوسع المصطلح ليشمل كل المنطقة من وسط افريقيا الى جنوب شواطئ المتوسط.

كان ((بوب دينار )) أكثر الفرنسيين صراحة في التعامل مع الأوضاع الأفريقية ..يستلم الدفعة المقدمة، يأتي بجنوده في المساء و يحتل قصر الرئاسة و مبنى الإذاعة والمطار و في الصبح التالي يخرج الرئيس الجديد ويستلم مسيو دينار بقية أتعابه و يغادر في انتظار مشروع آخر.

لم يدخل ((بوبي )) في تعهدات طويلة الأجل إلا في اليمن و كان ذلك فشلا ذريعا ..

قوة خماسية يعلن عن تشكيلها و (افريكوم) تستعرض عضلاتها و حفلات المغامرين التائهين في كثبان و مجاهل الصحراء الأفريقية ,دون معرفة بأن الدولة في أفريقيا لها مفهوم مختلف وأن مفهوم المواطنة في أفريقيا مختلف ,إن حزازات و حساسيات القبائل الأفريقية لم تدونها كتب التاريخ ولن تجدها في مدونات الانترنت , وكل من قرأ كتابا لرحالة أو مذ كرات سياسي متقاعد يظن أنه صار خبيرا في الشأن الأفريقي .
مغالطات وأكاذيب بالجملة وجهل بالوقائع , ذات يوم أعيانا البحث في قضية أفريقية و تهنا بين تصريحات وزارات الخارجية ,  خرجنا إلى مقهى بجوار جامعة الخرطوم و جلسنا إلى طاولة مثقفين ووجدنا إجابات لأسئلة معقدة ففي افريقيا تختلط القبيلة بالايدولوجيا و لا فصل بين ثارات الماضي و صراعات الحاضر .
أيام حركة ((فرولينا )) مرحلة فيليكس معلوم و تمبولباي كنا نعرف ضراوة المعارك بمشاهدة كوبري سوق الثلاثاء في مدينة طرابلس ولن نخوض فيما بعدها لأن فرنسا الملائكية لعبت دور بائع الأكفان بجدارة و تلك مرحلة لا يتسع المجال لمراجعتها لكن القصد أن ما يحدث في تلك المنطقة يؤثر ويتأثر بالأوضاع في ليبيا و عدم الاستقرار في ليبيا يعني أن يفتح باب الصراع على مصراعيه في منطقة السودان الغربي .

(السودان الغربي والسودان الشرقي هي التسمية للمنطقة قبل استقلال و ظهور الدول الحديثة )
صراع المصالح و مغامرات المستعمرين على غرار التدخل الفرنسي في مالي يخلق بيئة خصبة لدخول المنطقة في صراع لا يتوقف عند حدود الدول الحالية والمعالجات الخاطئة تزيد الأمر سوءا وإذا لم تنجح داعش و مثيلاتها في مناطق حضرية فإنها ستجد بيئة خصبة في مناطق صحراوية تتماشى مع طبيعة التقشف ,وإذا توافقت أحلام الممالك القديمة مع الفكر الوافد عندها سنكون على أبواب قرن جديد من الصراع .

لم يعد الاستقرار في ليبيا ضرورة محلية ولا من أجل راحة الليبيين أو دول الجوار بل أصبح ضرورة عاجلة و ملحة قبل أن تندلع صراعات جديدة لها عواقب وخيمة تتعدى حدود القارة .
لقد فات الوقت على تعميق حاجز الصحراء لكن لم يفت الوقت التعامل مع الزلازل و العواصف الهوجاء.

كاتب ليبي 

منشور في الاهرام العربي 


رابط مختصر

عبر عن رأيك

كيف ترى الإنخفاض السريع في قيمة الدولار أمام الدينار الليبي ؟